مشروع البعث.. لماذا يحتاجه الإنسان العربيّ؟

صحيفة الهدف

تحليل: أمجد السيّد
“اشتراكيّتنا ليست مستوردة، بل نابعة من صميم حياة الأمّة العربيّة”، هكذا يكتب ميشيل عفلق في كتابه (في سبيل البعث)، واضعًا الأساس لفهم الاشتراكيّة العربيّة بوصفها تعبيرًا عن واقع الأمّة، لا استنساخًا لتجارب أخرى. وفي السياق ذاته، يؤكّد أنّ “الاشتراكيّة ليست غايةً في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق حرّية الإنسان العربيّ وكرامته”، في ربطٍ واضحٍ بين العدالة الاجتماعيّة والتحرّر الإنسانيّ.
ويختصر عفلق رؤيته في معادلته الشهيرة: “لا اشتراكيّة بدون حرّية، ولا حرّية بدون اشتراكيّة”، وهي الفكرة التي تعكس جوهر مشروع البعث كطرحٍ يسعى إلى تحقيق التوازن بين الإنسان والمجتمع. كما يعرّف الاشتراكيّة بأنّها “ثورةٌ على الظلم والاستغلال”، مانحًا إيّاها بُعدًا أخلاقيًّا يتجاوز حدود الاقتصاد.
من هذه الرؤية، ينطلق مشروع البعث بوصفه إجابةً على سؤال: لماذا يحتاجه الإنسان العربيّ اليوم؟
في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات، وتتَعقّد فيه الأزمات في العالم العربيّ، تتجدّد الحاجة إلى مشروعٍ فكريٍّ شامل يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان العربيّ ووطنه، بين الدولة والمجتمع، وبين الحاضر والمستقبل. وفي هذا السياق، يبرز مشروع البعث العربيّ الاشتراكيّ بوصفه طرحًا فكريًّا يسعى إلى تقديم إجاباتٍ عميقة على أسئلة الهويّة والعدالة والوحدة.
مأزق الواقع العربيّ وتآكل البدائل
يعاني الواقع العربيّ من اختلالاتٍ بنيويّةٍ واضحة، تتمثّل في اتّساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتراجع دور الدولة في حماية الفئات الضعيفة، إضافةً إلى تصاعد النزعات الفرديّة والجهويّة. كما أنّ النماذج الاقتصاديّة والسياسيّة المستوردة لم تنجح في تحقيق التوازن المطلوب، بل أفرزت، في كثيرٍ من الأحيان، أزماتٍ مركّبة، حيث تمّ تبنّي مظاهر دون جوهر، وشعارات دون مضمون.
في المقابل، أسهمت الانقسامات الطائفيّة والعرقيّة في تفكيك النسيج الاجتماعيّ، وتحويل التنوّع إلى عامل صراع بدلًا من أن يكون مصدر قوّة.
الاشتراكيّة العربيّة كمدخلٍ للعدالة
يطرح مشروع البعث مفهوم الاشتراكيّة العربيّة كأداةٍ لتحقيق العدالة الاجتماعيّة، لا كنسخةٍ مستنسخةٍ من تجارب أخرى، بل كنموذجٍ نابعٍ من خصوصيّة المجتمع العربيّ. هذا المفهوم يقوم على تحقيق التوازن بين الحرّية الاقتصاديّة والمسؤوليّة الاجتماعيّة، بما يضمن توزيعًا عادلًا للثروات، ويحمي الفئات الهشّة من الإقصاء.
كما يؤكّد على دور الدولة في تنظيم الاقتصاد، وضمان الخدمات الأساسيّة مثل التعليم والصحّة، باعتبارها حقوقًا وليست امتيازات.
البعد القوميّ كإطارٍ جامع
ينطلق المشروع من فكرة أنّ الأمّة العربيّة تمتلك مقوّماتٍ مشتركة من لغةٍ وثقافةٍ وتاريخ، تجعل من وحدتها خيارًا استراتيجيًّا لا مجرّد حلمٍ نظريّ. فالتجزئة السياسيّة تُضعف القدرة على مواجهة التحدّيات الكبرى، سواء كانت اقتصاديّة أو أمنيّة أو ثقافيّة.
ومن هنا، يُطرح البعد القوميّ كإطارٍ جامع يعزّز التضامن بين الشعوب العربيّة، ويفتح آفاق التكامل في مجالاتٍ متعدّدة، بما يخدم مصالح الإنسان العربيّ.
مواجهة التعصّب وبناء مجتمعٍ متماسك
في مواجهة تصاعد النزعات الطائفيّة والقبليّة، يقدّم مشروع البعث تصوّرًا لمجتمعٍ يقوم على المواطنة، حيث يكون الانتماء للوطن والأمّة هو الأساس، بعيدًا عن الانقسامات الضيّقة. هذا الطرح يسعى إلى إعادة بناء الثقة داخل المجتمع، وتعزيز قيم التعايش والتكافل.
الإنسان في قلب المشروع
يركّز المشروع على الإنسان العربيّ باعتباره الغاية والوسيلة في آنٍ واحد. فالتنمية الحقيقيّة لا تتحقّق إلّا ببناء إنسانٍ واعٍ، يمتلك القدرة على التفكير النقديّ والمشاركة الفاعلة في الحياة العامّة، ويشمل ذلك تطوير التعليم، ودعم الثقافة، وفتح المجال أمام الإبداع.
في ظلّ غياب مشروعٍ عربيٍّ جامع، وتراكم الأزمات، يطرح مشروع البعث نفسه كإطارٍ فكريٍّ يسعى إلى إعادة التوازن بين الهويّة والحداثة، بين الحرّية والعدالة، وبين الفرد والمجتمع. ولا يقوم هذا الطرح على استعادة الماضي، بل على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل، بهدف تمكين الإنسان العربيّ من استعادة دوره في صناعة مصيره، وبناء واقعٍ أكثر إنصافًا واستقرارًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.