عادل أحمد محمد
بينما كان أهلنا يضمدون جراح الحـ.رب، فُجعنا في يوم واحد بخبرين يختصران مأساة جيل كامل. في الدمازين، ترحل الطالبة ماريا محمد وهي تقاتل الملح والملاريا من أجل ورقة امتحان، وفي مشهد آخر، يشهر طالب سلاحه في وجه أستاذه ليفرض الغش بالقوة. وبين الإصرار الذي أودى بحياة ماريا، والعنف الذي كاد يودي بحياة المعلم، تطل الحقيقة المرة؛ إنها ثمار ثلاثين عاماً من عسكرة العقول وتجريف الوجدان السوداني.
1. ماريا.. ضحية الإصرار المر رحيل ماريا ليس مجرد وفاة طبيعية، بل هو استشهاد في محراب العلم. لقد خرجت من سرير المرض لتواجه امتحان الشهادة السودانية الذي تحول في وجداننا إلى معركة حياة أو موت. إن سعيها المحموم رغم وهن الجسد يعكس الضغط النفسي الهائل الذي يرزح تحته طلابنا في ظل الحـ.رب؛ حيث يصبح النجاح هو الملاذ الأخير لكرامة مهددة. ولكن، أين الرعاية الصحية؟ وأين الدعم النفسي لطلاب يقرؤون تحت ضوء الشموع ويختبرون تحت أصوات المدافع؟
2. رصاص القاعات.. ثمار الجهاد الزائف أما الطالب الذي استبدل القلم بالمسدس داخل قاعة الامتحان، فهو ليس إلا ضحية لسنوات الكيزان العجاف. لقد جاء هذا الطالب من بيئة غُيبت فيها الفنون وحُذفت منها التربية الوطنية الحقيقية، واستُبدلت بأناشيد الجهاد ولبس الكاكي بدلاً من المريول المدرسي. عندما تُعلم الطفل أن أمريكا وروسيا قد دنا عذابها بدلاً من أن تعلمه علوم الزراعة والاقتصاد، وعندما تحول المعسكرات الصيفية إلى محاضن لزرع الفتن بدلاً من تنمية المهارات، فلا تتعجب إذا رأيت جيلاً يرى في القوة وسيلة لنيل ما لا يستحق.
3. الحـ.رب والسيولة الأخلاقية إن الحـ.رب الدائرة اليوم زادت الطين بلة؛ فالسلاح الذي تسرب إلى أيدي المراهقين هو نتيجة طبيعية لغياب هيبة الدولة وسيادة قانون الغابة. الطالب الذي يشهر سلاحه اليوم، إنما يعكس عقلية البقاء للأقوى التي زرعتها الحـ.رب في العقل الباطن للشباب. لقد فقد هؤلاء الطلاب المرساة الأخلاقية بعد أن رأوا الموت يختطف آباءهم وأمهاتهم، وبعد أن تحولت المدارس من دور للعلم إلى مراكز للنزوح أو ساحات للتحشيد.
4. كشف القناع.. نحو هندسة جديدة للمناهج إننا في منصة مدار نؤمن بأن إعادة الإعمار لا تبدأ بالأسمنت والحديد فحسب، بل تبدأ بإعادة هندسة العقل السوداني:
-
لا بديل عن عودة الفنون؛ فالموسيقى والرسم ليست ترفاً، بل هي أدوات تفريغ انفعالي وتهذيب للنفس البشرية ضد العنف.
-
إعادة الاعتبار للمؤسسة التعليمية؛ يجب أن يتوقف التدخل الأيديولوجي في المناهج، وأن يعود التركيز على العلوم التنموية، فالسودان يُبنى بالمهندسين والأطباء والزراعيين، لا بالهتافات الحـ.ربية.
-
الدعم النفسي ضرورة لا رفاهية؛ نحن بحاجة لجيش من علماء النفس الذين عاشوا تحت القـ.صف، ليرمموا ما دمرته المدافع في نفوس الصغار.
خاتمة: ستبقى ماريا رمزاً للصمود النبيل، وسيبقى حادث السلاح وصمة عار في جبين من سيسوا التعليم وعسكروه. إن كرامة السودان ليست في مليارات برلين ولا في فوهة البندقية، بل في قلم يحمله طالب آمن، ومعلم محمي بالهيبة والقانون، ومنهج يصنع الحياة لا الموت.
#السودان #الشهادة_السودانية #ماريا_محمد #لا_للحـرب #التعليم_في_خطر #مستقبل_السودان #عادل_أحمد_محمد #منصة_مدار #الدمازين #الوعي_الثقافي #جيل_التغيير #قدسية_العلم

Leave a Reply