هُدنة.. الطيب عبد الماجد

صحيفة الهدف

مجاهد نايل

يَكْمُن السِرُّ في (عَلّوبْ)
يختبئ البستانُ في الوردة،
تختبئ الصُدفةُ في مُنعطف الطريق،
والعَسل البَرّي في الرحيق،
وطائر الفينيق في الحريق.
(يختبئ العشيق في عيون المحبوب،
والطيّب في عَلّوب).
حينما أبدع خيال السودانيين عبارة “عَمل من الفَسيخ شربات”، عَمل الطيب عبد الماجد بالفعل (شربات) المساء، من فسيخ التلفزيون الكيزاني الكئيب، صَحي صَحي.
شوف.. لقد ظَهر الإعلامي الطيب في وقت كان الإسلاميون أشدّ “خنقًا” وحُنقًا على أرواح السودانيين،
فأنقذ أرواحهم عبر قناة الفضائية “البائسة” التي سَمّوها الفضائية “الطاهرة”، إمعانًا في المُكاواة و”المَساخة”.
فقام الشاب الطيب بخدعة السعادة المَدسُوسة بلا أي معينات ما عدا روحه القوية، وموهبته البائنة وذكائه (البِيور) خام سوداني بِرنت،
قام بمنحهم جُرعة سعادة يومية حافظت لهم على أرواحهم. في مواعيد برنامج (مشوار المساء)، كانوا يتجمعون صغارًا وكبارًا، لم يكونوا يفهون السر..!
سرّ هذا الشاب! وحده؟
حينما أقول “وحده” هنا أقصد “التَعدد”، واحد مُتعدد.. كما سترون.
من البداية..
كان سبب انتباهي هو تساؤلي البسيط!؟
متى أصبح الناس يرون (المُذيع) كنجم؟
النجومية كلمة تليق بالسينما، الفن، وكرة القدم، وليست نجومية المذيعين كانت معهودة..؟
فكيف “تنجّم” مذيع لقناة مُقيدة جدًا بالطهارة المُزيفة!!؟
كانت الإجابة وقتها هي “المَحبّة”.. الله منح الطيب عبد الماجد القبول والمَحبة، بدون أي تبرير!
نعم بالفعل صحيح، المحبة مأذونة دائمًا من جهة السماء، ومن جهة الأرض لها استحقاق.
و.. هُنا، اكتشفت (عَلّوب) بعد أن عَرفت شخصية الطيب الأديب.
لحظة! سأترك الطيب الوسيم المُبتسم ابتسامة جانبية وكاملة!! لأنظر إلى الطيب الأديب ولعبقرية الأدب.. طبعًا ستحتاجون معي صبرًا، فالقصةُ جايطة جدًا، وتتطلب دائمًا شرحها الاستعانة “بعباقرة” آخرين، حتى أستطيع أن أنزع لكم عَلّوب من الطيب نَزعًا.
عن العبقري الشاعر عمر الدوش..
ولأنني عِشت في حارة بـ(أمبدة)، وبالقرب مني منزل الشاعر عمر الدوش، فقد صَادفني أثره كثيرًا في شوارع الحارة، يعني بعرفه كويس.
وهذا يجعلني على ما أظن، حين أقرأ شعره فإنني أراه من واقع “محلي” يخصّه!
حين يقول في قصيدته (سعاد):
طبّيتْ قزازتي..
مَرقت عن طرف البلد،
وسِكرت لَط..
وأنا جاي راجع منتهي.
لاقَتني (هي)،
قالت لي: انجض يا ولد..
“كِبرت كراعي من الزعل، نص في الأرض، نص في النِعال”
بينما.. سيرى الناس الدوش يلتقط كلمات خيالية من الثريا، سأرى أنا الشاعر يرتب ما حوله من فوضى أمبدة، بسحره هو وعبقريته، فيصنع الدوش من واقعه خيالًا، ليس من الثريا.
لأني حقيقة لا أزال أرى الدوش بسجيته الإنسانية، جالسًا على سطح عربة (كارو) تَشق شوارع الحارة، وهو يُدلدل قدميه كعادته، ونِعاله نصف مُعلّق بكُراعه..!
“كِبرت كراعي من الزعل، نص في الأرض، نص في النعال”..
فواضح أنني قد رأيت هذه الصورة واقعيًا.
كما أن الطيب صالح كتب كل كلمة من “فنتازياه” الموغلة في المحلية، مثل الزين ود حامد كشخص موجود حي رآه.
أيضًا نجيب محفوظ و”حَواريه” المصرية الواقعية، مثل حارة (السقايين) وطيف نجيب الذي لا يزال يحوم فيها..
كلهم أراهم عباقرة. لكن الإبداع الذي لا يُحتمل جماله أبدًا.. ليس في الكتابة.. الجمال ستعرفه حين تعرف أن هؤلاء العباقرة يَرونك..️
إنت دا..!
دي هي العبقرية عند الطيب عبد الماجد يا بشرية!! إنو القصة مش إنتو شايفنو نجم وسيم ومهندم ولِبق.. لا لا!!، بل الجمال كله..
أن الطيب هو الشايفكم يا ناس (الحِلة)!! ومهتم بيكم جدًا..
هِي. “نظرة” يا أبو هاشم، دي قايلنها هينة؟؟
دا طلب “اهتمام”،
وأنت لن يدور بخيالك أن مثل الطيب عبد الماجد الموهوب الجميل “سَيلاحِظك”..
لكن الحقيقة أنك تُحبّه لسبب بعيد عن كل هذه الأضواء والشاشات، لسبب أنه يُحبك ويراك، ويهتم بك إلى درجة أنه ابتكر (عَلّوبَه)، فقط ليحكي عنك!!
إن الأديب الطيب عبد الماجد يُخبرك أنك البطل!!
اقرأ آلاف الشخصيات التي عَبرت من دائرة (عَلّوب)، من بين آلاف من الشخوص ستجد نفسك لا محالة بالكربون.
كلنا نَفر نَفر نفر..
رآنا (عَلّوب) ابن الحارة، فحكى عَنّا (الطيب) الأديب ابن النخبة!!
وبالتالي، حين يَجلس ضيف أمام ابتسامة المذيع الطيب عبد الماجد، وأعني ابتسامته “الجانبية” تلك، فإن خلفها مباشرة تَشع ابتسامة عَلّوب “الكاملة”..
والتي يخبرك بها المذيع أنه يَراك ويعرفك كمعرفة علوب ود الحِلة.
وهنا.. يصبح الحوار مع المذيع حوارًا بين أصدقاء، بلا أي ابتسامات “بلاستيكية” تلفزيونية..
ويصبح مشوار المساء دردشة عادية وخيالية، عبارة عن فنتازيا محلية سودانية وجميلة للدين.
لاحظ.. ليست الحرب الآن إلا قبح نفس الذين كانوا في التسعينيات..
فأعاد لنا الطيب سلاح مقاومة القبح كما فعل بمشوار المساء، وقدم لنا (هُدنة)، وهي “هدنة الجمال والفن”، كتاب يكون مرجع لغناء السودان وللسودانيين الفنانين، بمنظور الأدب النقدي البديع..
قدّمه بذكاء في وقتٍ يحافظ فيه على جَذوة الجمال حتى نعبر ونستقر..
“تقول لي حمدوك!”؟
الجدير بالذكر أن الطيب عبد الماجد زول “شِفتْ”، وهذه الشَفتنة مصدر الثقة والكاريزما التي تُحيطه..
وحين تكتشف أنه ابن (الجميلة والمستحيلة) ستفهم أن التفوّق عنده أصيل..
لأختصر لك كل هذا الحديث عن رجل بإمكانه وحده أن يُرتب وجدان أمة كاملة، أقول لكم:
في عيون الوطن.. قد اعتاد وطننا السودان توديع أبنائه عند مطار الخرطوم بتوجس (أبوي) خفيف. كان الوطن دائمًا يقف على مُدرّج المطار، مُلوحًا بأمنياته هامسًا:
– يا ربي (جَناي) دا يقدر ينجح في غربتو..
وهي دعوة، وفي نفس الوقت أمل أن يَرفع المسافر اسم أبيه السودان..
لكن عند وداع الطيب مغادرًا الوطن، وقف السودان مبتسمًا واثقًا، قائلًا:
– أمشي يا الطيب، وريهم كلهم إنت منو، أولاد الهِرمه، وريهم نحن منو!
وبالفعل..
فعلها الإعلامي المخضرم، فلم ننتظر طويلًا حتى نال باستحقاق جائزة (أفضل مذيع في الشرق الأوسط كله)، وهكذا توالت الجوائز والإنجازات.
لكن تذكّروا.. أن (عَلّوب) هو رجلنا، وإن إبداع الطيب هو إبداع سوداني نقي جدًا..
وتأملوا هذا الجمال..
جمال أن مثل الطيب عبد الماجد! قد وضعكم طوال الوقت على باله، ومنحكم “نظرة” لكل واحد من الأربعين مليون نسمة، كلكم أبطال في قصص عَلّوب.
فشكرًا جميلًا..️
* (من قصيدة محمد المكي إبراهيم، مع إضافة البيتين الأخيرين من عندي).

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.