مرافئ الوعي

صحيفة الهدف

نزيهة البكري

بين عتمة (الكافيه) وإشراق (الصالون).. صراع الفراغ والوعي:
بينما كنتُ أتصفح (فيسبوك) كعادتي، استوقفتني صور صادمة لشباب وشابات في وضعيات تجرأت على قيم المجتمع، مرفقة بعبارة قاسية كتب عليها: “هذا ما يحدث داخل كافيهات أم درمان”. في تلك اللحظة، لم تشتعل في داخلي غيرة الانتماء والحب الأعمى لأم درمان فحسب، بل تجاوزت الصدمة حدود العاطفة لتلامس عمق المسؤولية تجاه جيل بأسره. وما بين استنكاري وغيرتي، ألح عليَّ سؤال يبحث عن البديل الضائع: لماذا لا نستبدل ضيق الغرف المغلقة برحابة الصالونات الثقافية؟ وبدلًا من أن يرتاد الشباب زوايا معتمة لاحتساء المنبهات وتدنيس معنى الحب، لماذا لا يرتشفون الثقافة والفن في مساحات تملأ فراغهم بما ينفع؟
إن القضية ليست هجومًا على (الكافيه) كفكرة، فثمة أماكن تحترم حدودها ورسالتها، لكن الإشكالية تكمن في (ثقافة الكافيه) التي تكرست في أذهان جيلنا بوصفها ملاذًا للفراغ المفسد. نحن نملك فائضًا من المقاهي، ونعاني شحًا مريعًا في الأندية التي تصقل الموهبة وتهذّب الوجدان. وهنا تقفز السياسة إلى السطح، لا بمعناها الحزبي، بل بكونها (فعل بناء) غائبًا؛ فالمؤسسات المعنية بالشباب والرياضة باتت تشبه صورة قديمة في ريعان صباها، ماضٍ جميل في حاضر يتلاشى سخفًا. نحن بحاجة إلى سياسة ثقافية ذكيّة تدرك أن الحب يمكن أن يكون حالة إبداع سامية، كأن يقول شاب لرفيقته: “فلنلتقِ غدًا في صالون ثقافي؛ ارسمي ملامحي بينما أعزف لك على العود”.
إن المفارقة الموجعة تكمن في أن بذور المأساة قد تبدأ من زاوية كافيه منعزل، أو تتطوّر خلف جدرانه الصامتة لتتحوّل إلى انحدار قسري، ثم ينتهي الأمر بضحاياها من الأطفال مجهولي الأبوين يُلقون بلا رحمة أمام المساجد حيث الطهر، أو المشافي حيث الرحمة، في مشهد يختصر حجم الفاجعة وتناقضات المجتمع.
إننا اليوم لا نواجه جدران مقاهٍ صماء، بل نواجه تآكلًا في (روح المجتمع) وضياعًا لهوية جيل يقف على حافة الفراغ في كل مدينة وزقاق. إن حماية شبابنا لا تبدأ بمصادرة حرياتهم، بل بمنحهم (بدائل الجمال)؛ فالعقول التي تمتلئ بالريشة والعود والقصيدة لا تترك متسعًا للابتذال. هي دعوة صادقة لترميم الإنسان قبل البنيان، ولتحويل تلك الزوايا المعتمة إلى منابر للضوء؛ فإما أن نصنع لشبابنا (صالونات للوعي) تليق بإنساننا، أو نتركهم لقمة سائغة لعتمة المقاهي التي تبدأ بلقاء عابر.. وتنتهي بمأساة ملقاة على أبواب المساجد والمشافي.
غير أن هذا التحوّل لا يمكن أن يتحقق بمجرد التمني، بل يحتاج إلى إرادة مجتمعية واعية تعيد الاعتبار لدور الثقافة في تشكيل السلوك العام. كما أن الاستثمار في المساحات الثقافية ليس ترفًا، بل ضرورة لإعادة بناء الإنسان من الداخل. فالمجتمع الذي يضيّق على الجمال، يفتح دون أن يدري أبواب القبح. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست ضد (الكافيه)، بل ضد الفراغ الذي يسكن العقول حين تغيب البدائل. وحين ننجح في ملء هذا الفراغ بالمعنى، لن نحتاج إلى المنع بقدر ما سنحتاج إلى الإقناع. فالشباب، بطبيعتهم، ينحازون إلى ما يمنحهم شعورًا بالحياة، لا إلى ما يُفرض عليهم بالقوة.
فهل ننتظر ضياعًا أكبر، أم نعيد لمدننا بهاءها بجعلها منارات تغسل عقول أبنائها بالنور؟

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.