مجدي علي
صُهيب قبلي، شاب مغربي في العشرينات، يتميز بجماله ووعيه. يظهر وجهه في كل وقفة، في كل احتجاج، وفي كل تجمع يرفع فيه الشباب صوتهم بقضايا وطنهم وأمتهم، وخاصة القضية الكبرى فلسطين. حضوره ليس مجرد عبور عابر، بل هو صدى لجيل كامل يبحث عن ذاته، عن صوته، وعن مكان للكلمة في زمن يبتلع فيه الصمت كل الأصوات. إنه نموذج للوعي المشتبك مع الواقع، للشجاعة التي تتحول إلى فعل، وللالتزام الذي يُثمر أفعالًا لا شعارات.
وجد صُهيب في موسيقى الراب ملاذه ومساحة للتنفّس، للكشف عن قلقه وغضبه، وعن أسئلته التي لا تجد منفذًا في المنابر الرسمية. ينتمي إلى جيل “زد”، جيل الغضب الواعي، الذي اختار الالتزام السياسي والكلمة الحرة ليقول ما لا يُقال، ويحمل صوته الحقيقة كما هي، بلا تجميل، بلا قناع، وبلا خوف من قسوة الواقع، دون انتظار رضا أحد.
أغانيه مثل “لا للتطبيع”، “لا صحة لا تعليم”، “تخيّل معايا”، و”بغينا نعرفو” تشكل برنامجًا سياسيًا وفكريًا عميقًا، وصرخة صادقة، ونبض جيل كامل، ومرآة للواقع. الفن عنده رسالة، ويجب على الفنان ألا يُغلق عينيه أمام الظلم، ألا يُصمت عن الفساد، وأن لا يخشى قول الحقيقة مهما كانت الكلفة.
في صباح 27 مارس الماضي، كانت المحكمة الابتدائية بمدينة تازة أداة السلطة لمحاولة إسكات صوته. حكمت عليه بالسجن لثمانية أشهر، بالإضافة إلى غرامة مالية، بتهم “إهانة هيئات منظمة” و”الإخلال بواجب التوقير والاحترام لمؤسسة دستورية”. لكن السبب الحقيقي للإدانة هو كلمات أغانيه وتدويناته التي تناولت قضايا التعليم والصحة والفساد والتطبيع مع العدو الصهيوني المحتل.
ورغم تبرئته من تهم أخرى، فإن هذه المحاكمة الفضيحة تكشف عن رعب وخوف السلطة، أي سلطة، من الصوت الحر، من وعي الشباب، من جيل يرفض الصمت، ومن مدّ الوعي الذي لا تستطيع إيقافه. القضية لم تعد ملفًا قضائيًا عاديًا، بل تحوّلت إلى قضية رأي عام، وأطلقت حملات تضامن واسعة على منصات التواصل تحت شعار “الفن ليس جريمة”.
التضامن مع صُهيب لم يكن دعمًا لشاب في محاكمة محدودة، بل كان إعلانًا عن رفض جماعي لمصادرة صوت جيل يبحث عن ذاته، عن حريته، وعن كلمته. صُهيب قبلي أصبح صوتًا يمس الروح قبل الأذن، ويصل إلى القلب قبل الكلمات، رمزًا للصدق والجرأة والصمود، يعبئ الناس للحق.
حين تتفرغ السلطة، أي سلطة، بكل قوتها لإدانة أغنية، فهي تعترف ضمنيًا بأنها تخشى صدى الصوت. الفن كشف، فضح، ومساءلة للواقع، لا تجميل له. وكلما ضاقت مساحة الحرية، ازداد الفن جرأة، لأن الحاجة إلى التعبير تصبح أكثر إلحاحًا وأكثر ضرورة للحياة، وأكثر نورًا في ظلام القيود.
محاكمة فنان بسبب محتوى فني تطرح السؤال الأعمق عن الحرية.. إلى أين تمتد حدود التعبير؟ الدولة الواعية لا تخاف الأغنية، ولا ترتبك أمام القصيدة، بل تستوعب الرأي وتديره ضمن أفق قانوني عادل، ولا تستخدم القانون لإخماده.
صُهيب قبلي أصبح رمزًا لجيل يرفض الخضوع، يصر على قول ما يريد قوله رغم الكلفة، ورغم القيود، ورغم السجون. شجاعته في صدقه، في صرخته، في رفض الخنوع، وفي حضوره الحي الذي يذكّرنا بأن الكلمات يمكن أن تكون أسلحة، وأن الفن فعل مقاومة، وأن الشباب صوت لا يمكن إسكاتُه إلا بالقمع الصريح.
اللافت أن المحاكمة تزامنت مع فعاليات داعمة للشعب الفلسطيني ومنددة بالتطبيع في المغرب، في يوم الأرض. وغني عن القول أن تاريخ المغرب مشرّف وحافل بالمقاومة ورفض التطبيع، وصُهيب أعاد إحياء هذا التاريخ بصوت شاب، بصدى جيل، وبصياغة حرة للكلمة التي لا تُسكت، للكلمة التي تتحوّل إلى صرخة حين يُحاصر الوعي ويختنق الحلم بسبب قمع النظام.
القضية امتدت لتصبح اختبارًا اجتماعيًا لكل من يسمع، لكل من يشعر، ويبحث عن معنى للحرية والعدالة. صُهيب أصبح صوتًا لجيل لم يستسلم للصمت، رمزًا لكل من يصر على التعبير رغم القيود، ورغم التهديدات، ورغم الرصاص الصامت الذي يقتل الأمل. لأنه صوت جيل يرفض القيود، يرفض الصمت، ويبحث عن مساحة للتعبير عن الغضب والقلق والوعي. ويجب أن تعلم السلطة، أي سلطة، أن هذا الجيل يقف ضد الفساد وضد الظلم وضد التطبيع، يصر على حرية الكلمة، على فن يسائل، وعلى الحقيقة التي لا تُجمّل، على نبض يرفض أن يُسحق تحت عجلاتها.
التفاعل القانوني والإنساني مع القضية دليل على وعي المجتمع بأهمية الصوت الحر. الدعم لم يكن لشاب في محاكمة محدودة، بل اعتراف بأن الحرية تُنتزع بصوت صادق، بلا خوف، بلا قيود، بلا وسائط، وأن الفن لا يُسجن، وأن الحقيقة لا تُحاصر.
الحقيقة التي تخفيها الأنظمة القمعية واضحة، وهي الخوف من جيل يبحث عن مساحة للتعبير عن قلقه وغضبه وأسئلته ومواقفه. الأغنية، رغم بساطتها، تمثل شرارة لإيقاظ هذا الوعي، والخوف الحقيقي يكمن في صدى الصوت الحر.
الغريب أن ذات السلطات التي تحاول إسكات الكلمة الصادقة هي نفسها التي تشجع التفاهة والإسفاف، وترفض الفن الذي يحمل بعدًا رساليًا، وتظهر خوفها من وعي المجتمع، من صدى الأمل في وجوه الشباب، من صلابة الكلمة التي لا تعرف الخضوع.
يستحق صُهيب تقدير شجاعته، وأن يُعلَّم موقفه ليصبح نموذجًا لجيله، وعظة للحكومات المستبدة، وتجربة لكل من يظن أن الصوت الحر يمكن ترويضه.
القضية تؤكد أن الفن بطبيعته مساءلة وكشف للتناقضات، وليس تزكية للواقع أو تجميله. وأنه كلما ضاقت مساحة الحرية، ازداد الفن جرأة، لأن الحاجة إلى التعبير تصبح أكثر إلحاحًا وأكثر حياة، وأكثر نورًا في ظلام القيود.
والحقيقة الثابتة أيضًا أن الفن ليس جريمة، وأن الكلمة الحرة لا تُحاكم لأنها صدحت بالحقيقة. ومن المخزي أن تهتز هيبة “دولة” بكل جبروتها ومؤسساتها أمام أغنية، لأنها بذلك تقول إن الخوف من صوت يصل إلى الناس، وأن صدى هذا الصوت يُعتبر جريمة تستدعي المحاكمة والسجن.
المحاكمة جريمة، لكنها لن توقف جيلًا يبحث عن حريته. هذا الشباب الواعي والغاضب هو من سيقود التغيير، وسيعيد بناء المجتمعات على وعي وحرية وحقيقة.

Leave a Reply