لم يولد بدر الدين مدثر سليمان في لحظةٍ عادية من تاريخ السودان، بل جاء إلى العالم عام 1940، في زمنٍ كانت فيه البلاد تتلمّس طريقها بين إرثٍ استعماري ثقيل وأفقٍ لم يتشكّل بعد. في الخرطوم، حيث تختلط الأزمنة وتتصادم الرؤى، نشأ طفلٌ سيكبر وهو يحمل في داخله أسئلةً أكبر من عمره.
لم يكن التعليم بالنسبة إليه مجرّد انتقالٍ بين الصفوف، بل كان ارتقاءً في طبقات الوعي. في مدرسة كمبوني، ثم في المدرسة العربية الثانوية، لم يتلقَّ المعرفة كما تُلقَّن، بل كما تُكتشف. كان يصغي لما يُقال وما لا يُقال، يلتقط من أحاديث أساتذته إشاراتٍ عن القومية، عن الحرية، عن معنى أن يكون الإنسان جزءًا من قضية. هناك، بدأ يتكوّن داخله ذلك القلق النبيل الذي لا يهدأ.
ومع مطلع الستينيات، لم يعد السؤال مؤجّلًا. اختار طريقه بوضوح، وانخرط في العمل السياسي وهو في مقتبل العمر، فكان من أوائل الذين وضعوا اللبنات الأولى لتنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي في السودان. لم يكن ذلك انتماءً شكليًا، بل انخراطًا كاملًا في مشروعٍ يراه وعدًا بالعدالة والوحدة والكرامة.
كان يتحرّك بين الناس لا كخطيبٍ منبر، بل كواحدٍ منهم. يجلس إلى الشباب، يصغي قبل أن يتكلم، ويقنع دون أن يفرض. كان يدرك أن الأفكار لا تُزرع في العقول بالقوة، بل تُنبت حين تجد أرضها المناسبة. لذلك، لم يكن عمله السياسي حملةً عابرة، بل جهدًا تراكميًا، يشبه بناء بيتٍ حجرًا حجرًا.
لكن الطريق الذي اختاره لم يكن آمنًا.
حين دخل السودان مرحلة الحكم العسكري، صار كل صوتٍ مختلفٍ موضع شك. كان بدر الدين في طليعة الذين طالتهم يد السلطة. اعتُقل، وعُذّب، وواجه ما يواجهه كل من يصرّ على أن يقول “لا” في زمنٍ لا يُسمح فيه إلا بالمت. غير أن تلك التجربة لم تُطفئه، بل صقلته. خرج من السجن وهو أكثر صلابة، كأن الألم أعاد تشكيله على مهل.
في تلك المرحلة، جمع بين دراسته للقانون وممارسته السياسية، كأنه كان يبحث عن توازنٍ بين فهم النصوص وتغيير الواقع. لم يكن يرى في القانون مجرد أدوات، بل إمكانًا لتنظيم العدالة التي كان يحلم بها.
ومع اشتداد الضغوط في سبعينيات القرن الماضي، اضطر إلى مغادرة السودان. لم يكن الرحيل قطيعة، بل امتدادًا لمسارٍ آخر. في بغداد، وجد نفسه في قلب حوارٍ عربي واسع، حيث تتقاطع المشاريع والأفكار، وتتصارع التصوّرات حول المستقبل. هناك، لم يكن غريبًا، بل فاعلًا؛ شارك في النقاش، وأسهم في صياغة الرؤية، وصعد إلى مواقع قيادية داخل الحزب، دون أن يفقد حسّه النقدي.
ورغم اتساع الجغرافيا، ظلّ السودان يسكنه. لم يتحوّل إلى ذكرى بعيدة، بل بقي سؤالًا مفتوحًا في داخله. كان يرى أن مشكلات بلده لا تُحلّ بالانغلاق، بل بالانفتاح على مشروعٍ أوسع، يربط المحلي بالقومي، والجزئي بالكلي.
وفي الثمانينيات، عاد إلى التفكير في الداخل السوداني من زاوية أخرى: كيف يمكن للقوى السياسية، رغم اختلافها، أن تلتقي؟ كيف يمكن تحويل التعدّد من عبء إلى طاقة؟ لم يكن يراهن على التطابق، بل على القدرة على إدارة الاختلاف. كان يعتقد أن الانقسام لا يبدأ من التباين، بل من العجز عن التعامل معه.
لم يكن بدر الدين رجل شعارات، ولا باحثًا عن موقعٍ في الضوء. كان أقرب إلى أولئك الذين يعملون بصمت، ويتركون أثرهم في البنية العميقة للأفكار لا في سطحها. كتب، حاضر، ناقش، وربّى أجيالًا من الشباب على التفكير قبل الاصطفاف، وعلى الوعي قبل الانفعال.
وحين عاد إلى الخرطوم بعد سنوات الغياب، لم يعد بذات الشاب الذي غادرها، بل عاد محمّلًا بتاريخٍ من التجربة، ووعيٍ تشكّل عبر محطاتٍ قاسية. ومع ذلك، ظلّ وفيًا للفكرة الأولى: أن النضال ليس موسمًا، بل التزام طويل.
في عام 2006، غاب الجسد، لكن السيرة لم تنتهِ.
وإذ نستعيد سيرة بدر الدين مدثر، فإننا لا نستحضرها بوصفها حكاية فردٍ في زمنٍ مضى، بل بوصفها جزءًا من ذاكرة التأسيس التي لا تنفصل عن معنى الحزب نفسه. ففي ذكرى ميلاد حزب البعث العربي الاشتراكي، تتقدّم وجوه الرجال الذين حملوا الفكرة في بداياتها الأولى، لا كقناعةٍ نظرية، بل كعبءٍ يومي، وكخيارٍ مكلفٍ في زمنٍ لم يكن يسمح بكثير من الخيارات. كان التأسيس آنذاك فعلًا شاقًا، يتطلّب قدرةً على الاحتمال بقدر ما يتطلّب وضوحًا في الرؤية؛ رجالٌ خرجوا إلى العمل العام وهم يدركون أن الطريق محفوفٌ بالملاحقة والسجن والتشكيك، ومع ذلك مضوا، لأنهم رأوا في الفكرة أفقًا يتجاوز ذواتهم.
من هنا، تبدو سيرة بدر الدين مدثر امتدادًا طبيعيًا لتلك اللحظة الأولى: لحظة الإيمان بأن الانتماء فعل، وأن السياسة التزام، وأن البناء يبدأ من أشخاصٍ قرروا أن يتحمّلوا عناء البدايات، ليتركوا للأجيال ما يمكن أن يُبنى عليه، لا ما يُكتفى بالبكاء عليه.
ليست حياة بدر الدين مدثر حكاية رجلٍ صعد في سلّم السياسة، بل سيرة إنسانٍ حاول أن يظلّ صادقًا مع فكرته، رغم ما تبدّل حوله. هي قصة من آمن بأن االفكرة يمكن أن تكون فعلًا، وأن الوعي يمكن أن يكون قوة، وأن الطريق، مهما طال، يستحق أن يُسلك.
هو واحدٌ من أولئك الذين لا تُختصر حياتهم في المناصب، بل تُقرأ في الأثر الذي يتركونه خلفهم.. أثرٌ لا يُرى بسهولة، لكنه يبقى.
# 7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن _تموت #البعث_79

Leave a Reply