قراءات في شعر حميد .. ما بين الإضاءة والاستكشاف

صحيفة الهدف

وجدي الشيخ

نورا فات وين كلميني؟
قالت: تأبط كلمتو ووطن وخرج
والمخارج وين؟ اقيفي وفهميني
قالت: لا مخارج إلا ليهو وليس من الموت حرج
يا اللّٰه.. بهذا السهل الممتنع وبهذه التساؤلات العميقة والموجَّهة وبإجابات نورا القطعية قد اختصر لنا صديقي الشاعر المهذب أحمد عبد الله خضر (صفقة) الطريق لإحباء وحاملي مشاعل مشروع حمِّيد الشعري، ولخّص لنا معالم المشروع ومميزاته حيث إنها تبدأ منه وتنتهي به، وكأنه ينظر إليه حين قال “إن جيتني.. وا جيدلنا وجيد للبلد..”
إنه لأمر مخيف ومرهق الغوص واستنطاق واستلهام ما يرنو إليه شاعرنا حمِّيد، والحديث عن منتوجه المتداخل والمتشابك، المتشعب والشائك، والذي له مفاتيح إن فقدتها تظل خارج حدود انسيابه، له نواصي الإنسانية وخصوصية الانعتاق وتمايزه الطبقي صارخ، ليس فيه لبس أو اشتباه.
ونحن في ذكراه الرابعة بعد العشرة ما زلنا في ذهولٍ تام من هَوْل الفاجعة، وكأننا لم نحتسِ ماهية الموت من قبل، وكل محبيه ورفاقه في تساؤل دائم: من منّا يستطيع أن يفرتك طلاسم مشروعه الكوني لنضعه في مصاف الأنقياء من محرري البشرية أمثال بوشكين، لوركا، تولستوي وماركس.. وغيرهم.
فالشعر عند حمِّيد ليس هواية من أجل التسلية والترفيه، بل وسيلة جادة ومميزة لتوصيل فكرته، لتصبح قوة ضاربة عندما تؤمن بها البشرية لتضع اللبنات المضيئة لمعالجة قضاياها.
وظهرت سمات مشروعه تتفتح في بواكير كتاباته، فغيّر مضامين اللغة ومحتواها ودلالاتها، فخاطب وجدان الإنسان قائلًا:
“غربل الألوان وحاتكم ما لقيت يا يمة لونكم
ما أنتو لونكم لون بلدنا لون جناينا لون سماها
أنتو صوتكم صوت بلدنا صوت توريخنا وضميرا”
أي لون يبحث عنه؟.. أي صوت يبحث عنه؟ وهنا تظهر شاعرية متفردة نادرًا أن تجود بها البشرية، فيضيف للغة محسنات لم تكن فيها من قبل، فتزداد بلاغة، ويحملها ما لم يكن في الحسبان أن تحمله مهما عظمت مخيلة المبدعين. فاللون هنا تفاصيل حياة كاملة تنبض بالتآخي والسواعد التي تمتد قبل أن تفتقدها، وغيرها من القيم السامية، والصوت هنا صوت الحقيقة، صوت الضمير وتاريخنا الممتد.
ومن بداياته الأولى بدأت تتشكل ملامح فلسفته ورؤيته للأشياء ولقضايا مجتمعه، واستطاع أن ينفلت من محدودية الأنا لاتساع الإنسان، فعرف باكرًا أن (الغنوة معوان للخلق).
واتضحت الرؤية ونبتت جذورها بنصه المعتّق (نورا والحلم المدردح)، فضخّ فيه ملامح الوطن الذي يحلم به الغبش التعبى في بساطته ونبله:
“نورا تحلم ببيوت من نور ودش..”
“نورا تحلم بوجود.. ما مشت بينو القيود.. أفضل أفضل بكتير.. بوطن من غير حدود..”
“نورا تحلم بعوالم.. زي رؤى الأطفال حوالم.. لا درادر لا عساكر.. لا مظاليم لا مظالم..”
في هذا المنفستو المتكامل لنص يحمل في طياته الأمل واستكشاف المستقبل والرؤية العادلة لمعالجة قضايا الفقر، النزوح، التعليم، والصحة، حدّد فيه انتماءه التاريخي لفئة محددة من فئات الشعب: الغلابة الكادحين بكل سماتهم ومميزاتهم “نورا بت الواطة.. أخيتي.. نورا أخت كل الغلابة”، وحمل قضيتهم بتفانٍ والتزام “في الأرض تكوين قضية.. وفي السماء الأحمر غمائم”.
ثم انطلق يكابد ويغرس سمات فلسفته، يعرّي بها ويفضح دون خوف، ويبشر بها دون كلل بأن الجاي خير “ودي الأرض لا بد ترجع للتعب فوقا ورعاها”.
شدّ إزاره وحمل معوله وأصبح ينقّب في البسيطة، منشطًا لجداول الثورة وسرابات التغيير بفلسفةٍ ضاربة الجذور “في الدم السوداني.. ده الوين زيو دم”.
جذور كرمة ونبتة وزمانات هودو وقنودو، ويلهمنا أساس التكوين ما بين “نقوش نبتة ورسومها.. ولغة مروي القديمة”، فنتحد مع هويتنا ونتماسك دون أن يتناسى وجودنا في الحاضر، بل أرق الحاضر هو محركه للماضي والمستقبل، بامتطاء الماضي ومعالجة الحاضر وقطف المستقبل ثمارًا مورقة.
يدهشنا بشاعريته، وهو العارف الملم بكل بواطن الأشياء، فيأخذها في مجملها وفي فردانيتها ككل متجانس وكجزء متفرد، فلنقف معًا عند عظمة هذا الشاعر الفيلسوف حين قال واصفًا تفاصيل أحداث موتى حروب جنوب السودان:
“ياكل ديدان الأرض.. ما تشتهي الأنفس هنا.. في العد يلوكوا.. العد يسفوا.. اللي يبلعوا.. كبد الزنوج الوارمة لسنات العرب.. كلو البجة المو سالمة.. يا غربان مصارين الحلب”..
وكأن الأحداث تعيد نفسها بأسى وحرقة الآن، رغم هذا الهول وهذا المصاب، لن ينسى صاحب الرسالة الكونية وفلسفة الإصلاح قضايا الإفقار والأمراض في كل بقاع السودان، وكأنه يقول: القضايا هي القضايا في كل آن، لا تمسح بعظمة المصاب ولا تسقط عند الاحتراب.
ثم واصل في توضيح فلسفته التي انحازت للغلابة الفقراء دون غيرهم، وانتخب قيادة تاريخية تحمل لواء مشروعه، وناضل معها وبها ولها، وميّزها بتفرد حالتها الموضوعية:
“وقعت وراي.. سندني يقين.. وقف فوق راي.. بأن الحال مغير زين.. مغير كان قصر كان طال.. وأن الأرض للكادحين.. ومفتاح الحياة العمال”
فأصبحت سِمَت فلسفته واضحة وضوح الشمس في منتصف صيف حراق، ووجهتها العمالية مميزة لها، بل والمادية كاشفة وموضحة:
“فلتعلني يا ماريل.. أن الديالكتيك بوصلة لعمال العوالم.. ضد تيه القافلة”..
فهذا الفيلسوف المادي السوداني نحتاج جميعًا لنتضافر في استيعاب مشروعه واستكشافه، لنقدم للعالم فلسفة عالجت ظواهر استعصت على عظماء الفلاسفة. وكأنه حين قال: “شوكًا فينا شين.. مراقو رب العزة.. شعبًا ما بلين”.. ينظر لمقولة ماركس “الدين هو قلب العالم الذي لا قلب له..”، فعالجها بكل موضوعية بمقولته السابقة، أن الدين هو قلب العالم الذي يعتزم الأسباب ليقتطف النتيجة، فعالج مشكلتين في آن: حالة التدين التي تترك الأسباب فتقع في مصيدة العجز والهلاك، ومشكلة التجريد الذي يتناسى الجوهر وتوالد التناقض فيقع في دائرة الفشل والاستسلام.

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #نورا_والحلم_المدردح #الأدب_السوداني #الديالكتيك_السوداني #شعر_العامية_السودانية #مشروع_حميد_الكوني #عمال_العوالم #الثقافة_السودانية #الغلابة_الكادحين #وجدي_الشيخ

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.