كلمة العدد الخاص حِمِّيد: المسافة بين الغياب والحضور

صحيفة الهدف

ليس الفقد في رحيل محمد الحسن سالم حِمِّيد حدثًا عابرًا في سجلّ الغياب، بل هو انكسارٌ خفيٌّ في نبرة هذا الوطن، وخسارةٌ لصوتٍ كان قادرًا على قول ما تعجز عنه الجماعة حين تضيق بها اللغة، وما يفلت من وعيها حين تغلق أبوابها على الحقيقة. كان حِمِّيد أكثر من شاعر؛ كان معنىً يمشي على قدمين، ووجدانًا عامًّا يتشكّل في هيئة قصيدة، وعينًا تلمح العتمة وتضيئها في الوقت ذاته.

في تقاليد هذه الأرض، لم يكن الشعر ترفًا، هو ضرورةً أخلاقية ووجودية؛ به تُحفظ الذاكرة، وتُصان الكرامة، ويُقاوَم النسيان. الشعر عندنا لغة الصمود، ومرآة المعاناة، وموطن الحلم. ومنذ أن تعلّم السودانيون أن ينطقوا وجعهم غناءً، ظلّ الشعر قرين اللحظة التاريخية، يواكب تحوّلاتها، ويصغي إلى نبضها، ويعيد صياغتها في كلماتٍ تُشبه الناس، تُشبه الأرض التي تمشي عليها أقدامهم. وفي هذا السياق، جاء حِمِّيد امتدادًا لذلك الخيط العميق، لكنه لم يكن تكرارًا له؛ بل كان إضافةً نوعية صنعت لغتها الخاصة، وانحيازها الواضح، وصوتها الذي لا يقبل المساومة.

لقد انحاز حِمِّيد إلى البسطاء، لا بوصفهم موضوعًا شعريًا، بل باعتبارهم مركز العالم ومعناه. رأى في تفاصيلهم اليومية مادةً للقصيدة، وفي معاناتهم سؤالًا أخلاقيًا لا يقبل التأجيل. لذلك جاءت لغته شفيفةً، لكنها كثيفة الدلالة؛ قريبة، لكنها مُحمّلة بطبقاتٍ من المعنى، تلامس الأرض وترتفع عنها في آن واحد. لم يكن صوته محليًا ضيق الأفق، بل اتسع ليحمل همّ الإنسان في امتداده العربي، فكانت القضية الفلسطينية جزءًا من نسيجه الوجداني، لا شعارًا طارئًا. عنده، كانت القصيدة موقفًا، وكان الموقف قصيدة، في تماهٍ نادر بين القول والفعل، بين الحلم والالتزام، بين الصوت الفردي والنبرة الجماعية.

شمولية تجربة حِمِّيد الشعرية تتجلى في قدرته على أن يكون للجميع؛ فهو لا يكتب لنخبة ولا لدوائر محدودة، بل لكل الناس: للطفل الذي يضحك في الأزقة، وللشيخ الذي يحرس عتمة الليل، وللمرأة التي تحمل الحلم بصمت، وللعامل الذي يعاني صعوبة الحياة اليومية. شعره يمتد في كل مكان، يمس كل قلب، ويقف عند كل وجع، ويحتفي بكل فرح. كل قصيدة منه تجربة حياة كاملة، كل كلمة منها جسرٌ بين الأجيال، وكل صورة فيها مرآة لكل إنسان يبحث عن نفسه في وطنه وفي العالم.

وإذ يستعيد (الملف الثقافي) ذكرى رحيله، فإنه لا يستدعي سيرة شاعرٍ فحسب، بل يستحضر تجربةً مكتملةً في الوعي والجمال والانحياز للإنسانية كلها. هذه ليست كتابةً في الغياب، بل محاولةٌ لردّ جزء من الدين لاسم ظلّ يمنحنا اللغة حين نفتقدها، ويمنحنا المعنى حين يشتدّ العتم. إنها قراءةٌ لعالمٍ يفيض بالحياة، رغم الألم، وعالمٍ يرى في البسطاء مركز الكون ومرآة الإنسان، وعالمٌ يضمّ الجميع دون استثناء.

هذا العدد من (الملف الثقافي) سياحة وسباحة في عوالم حِمِّيد، محاولةٌ للإنصات إلى أثره الذي لا يزال يتردّد في الحقول والبيوت والقلوب، وينسج صلاتٍ بين كل الناس، بين البسطاء والمثقفين، بين الطفولة والشيخوخة، بين المقهور والمتمكّن.

في مقام الوداع الذي لا ينتهي، نستعيد اليوم صوته هو، كأنه يُمهّد لغيابه بحدسه المبكّر، ويتركنا نلمس من خلال كلماته أفقًا واسعًا من الإنسانية والانحياز والوفاء للغة والوجود، حيث كل قصيدة منه جسرٌ بين الأرض والسماء، بين الفرد والمجتمع، بين الألم والأمل:

وطني البِريدك منو لي
وطني البيمرق من حشاي
مع (الله لي)
وطني البهدهدو فوق يدي
وطني البوسدو من حنان صدري
وبغطي بضي عيني..
وطني الصبي
وطني الأبوي، أمي وأخي
يا الما بسويلك بي قفاي
يا الما بفوتك بي وشي
دمي البحرسو من الصقور
لحمي البحاحيلو الحدي
نغمي البلاهو ولا طيور
صدحت.. ولا طمبور نقي
وطني البموت.. وبخلّي حي

هكذا مضي حِمِّيد، وبقى. مضي جسدًا، وبقيت قصيدته أثرًا لا يُمحى، ودليلًا على أن الشعر حين يكون صادقًا، يتحوّل إلى شكلٍ من أشكال الخلود. إن تكريم المبدعين لا ينبغي أن يُؤجَّل إلى لحظة الرثاء، بل هو فعل وعي مستمر، يحفظ الذاكرة ويصون القيمة. وحِمِّيد، في مقامه هذا، ليس ذكرى تُستعاد، بل حضورٌ يُجدّد كلما احتجنا إلى صوت يقول الحقيقة دون مواربة، وكلما أردنا أن نرى الشعر مرآة شاملة للوطنية وللإنسانية.

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #حِمِّيد #المسافة_بين_الغياب_والحضور #الشعر #الذاكرة #الصمود #انحياز_للبسطاء #القصيدة_موقف #الإنسانية #وطني_البموت_وبخلي_حي #الوعي_والجمال

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.