ماجد الغوث
لا يمكن قراءة الشاعر الراحل محمد الحسن سالم (حمِّيد) بوصفه مجرد صوت للغُلابة أو لسان حال “الغبش” فحسب؛ بل إن القراءة العميقة لمنجزه الشعري تكشف عن فيلسوف وجودي صاغ نظرية متكاملة حول علاقة الإنسان بالأرض، والمادة بالروح. إن حمِّيد في شعره لم يكن يصف واقعًا، بل كان “يؤسس” لوعي كوني ينطلق من القرية السودانية ليخاطب جوهر الإنسانية.
أولًا: فلسفة “الطين” كمركّب هوياتي
في الفكر الغربي، غالبًا ما يُنظر إلى “المادة” (Matter) بوصفها جثة هامدة تنتظر من يشكلها. أما عند حمِّيد، فإن “الطين” كائن حي، هو “الأصل” والمنتهى. عندما يقول حمِّيد: “يا نورة آآآه.. من جرح الطين”، فإنه يرفع الطين من مرتبة “أداة الإنتاج” إلى مرتبة “الذات المتألمة”.
هنا تبرز وحدة الوجود الطينية؛ فالإنسان السوداني عند حمِّيد لا يفلح الأرض ليمتلكها، بل ليتحد بها. الجرح الذي يصيب الأرض (الطين) هو جرح في كرامة الإنسان، والعكس صحيح. هذه العلاقة العضوية هي التي منحت إنسان (نورة) و(عم عبد الرحيم) صمودًا أسطوريًا أمام تقلبات الأنظمة وعوادي الزمن.
ثانيًا: هندسة “الستر” مقابل عبثية “التراكم”
بينما تقوم الحداثة الرأسمالية على فلسفة “الاستهلاك والتراكم”، أسس حمِّيد لفلسفة بديلة هي “فلسفة الستر”. الستر عند حمِّيد ليس غياب الفقر، بل هو “الاكتفاء الكوني”. إن “لقمة الحلال” في شعره هي المعادل الهندسي لـ”نقطة الارتكاز” التي يحفظ بها الإنسان توازنه الوجودي.
في قصة (عم عبد الرحيم)، نجد صراعًا بين هندستين:
هندسة الآلة (القطار): وهي قوة ميكانيكية باردة، تسير في خط مستقيم، لا تلتفت للمشاعر، وتمثل السلطة الغاشمة.
هندسة الحياة (الساقية والدائرة): وتمثلها حركة عم عبد الرحيم اليومية، وهي حركة دائرية، متجددة، ومرتبطة بالأرض.
إن سقوط عم عبد الرحيم تحت عجلات القطار لم يكن حادثًا عرضيًا، بل كان صدامًا فلسفيًا بين عالم “القيم الثابتة” وعالم “المادة المتحركة” التي لا قلب لها.
ثالثًا: سيمياء “النفاج” وجماليات الفراغ
بصفتنا مهندسين، ندرك أن “الفراغ” في التصميم لا يقل أهمية عن “الكتلة”. حمِّيد استثمر هذا المفهوم في مفردة “النفاج”. النفاج في العمارة السودانية التقليدية ليس مجرد فتحة في جدار، بل هو “بروتوكول اجتماعي” وقيمة فلسفية تعني انعدام الحواجز بين الذوات.
النفاج عند حمِّيد هو الرد العملي على “الجدار” العازل. هو فلسفة الانفتاح والشفافية التي تجعل من “الحي” أو “الحلة” كائنًا واحدًا يتنفس من رئات متعددة. إن “هدم الجدران” المعنوية في قصائد حمِّيد يسبق دائمًا بناء “الوطن” الكبير.
رابعًا: الزمن الدائري.. صمود الساقية
الزمن في قصيدة (الساقية) ليس زمنًا يمر ليفنى، بل هو زمن التكرار المقدس. إن حركة (الارِي) و(القواديس) تمثل فلسفة الصبر السوداني؛ حيث الأمل ليس حدثًا ننتظره في المستقبل، بل هو “فعل” نمارسه كل صباح مع شروق الشمس. هذا الفهم للزمن هو ما جعل حمِّيد شاعرًا “عابرًا للأجيال”؛ لأن رؤيته لا تموت بموت الحدث السياسي، بل تعيش ما عاشت الأرض وما استمر النيل في تدفقه.
خاتمة:
لقد كان حمِّيد “مهندسًا للأرواح” قبل أن يكون شاعرًا. استخدم لغة الغبش ليبني بها قلاعًا من الكبرياء، وحوّل “الجالوص” إلى مادة أسطورية تفوق الرخام صلابة. إن القيمة الحقيقية لحمِّيد تكمن في أنه أعاد للإنسان السوداني ثقته في “طينه” وفي “ذاته”، مؤكدًا أن العمارة الحقيقية هي عمارة الإنسان من الداخل، وأن “الساس” المتين للوطن يبدأ من صدق الكلمة ونقاء السريرة.
#ملف_الهدف_الثقافي
#محمد_الحسن_سالم_حميد
#الذكرى_14
#حميد_أنطولوجيا_الطين
#ماجد_الغوث
#هندسة_الوجود_السوداني
#فلسفة_الستر
#عم_عبد_الرحيم
#سيمياء_النفاج
#وحدة_الوجود_الطينية
#الزمن_الدائري
#جماليات_الفراغ
#لقمة_الحلال
#جرح_الطين
#مهندس_الأرواح
#صمود_الساقية
#الوعي_الكوني
#الأدب_السوداني
#نورة_والحلم_المدردح
#فلسفة_الاكتفاء
#الساس_المتين

Leave a Reply