فخر الدين حسب الله
لا تقف فرادة تجربة محمد الحسن سالم حمِّيد عند حدود اللغة أو الحس الشعبي، بل تتجاوزهما إلى قدرة استثنائية على خلق شخصيات حيّة، ونجد ذلك في كثير من قصائده، وبناء نص شعري تصويري متكامل، أشبه بمدينة نابضة بالحياة. مدينة تتسع للجغرافيا والناس والزمن، وتتحول فيها التفاصيل اليومية إلى علامات دلالية كثيفة. في (رسائل ست الدار) لا نقرأ نصًا فحسب، بل نعايش عالمًا متكاملًا، مفتوحًا على تأويلات لا تنفد، يزداد ثراءً مع كل إعادة قراءة.
يتجلى هذا البناء في وعي حمِّيد باختيار شخصياته، حيث لا تأتي الأسماء اعتباطًا، بل محمّلة بإشارات رمزية دقيقة. فشخصية (راشد)، الاسم الحركي لعبد الخالق محجوب، تحتل مركزًا بنيويًا في النص، إذ تتفرع منها بقية الشخصيات، لتغدو مدخلًا لفهم العالم الروائي/ الشعري. ومن خلالها تتقاطع التجربة الفردية مع التاريخ السياسي، في نسيج سردي مشحون بالدلالات.
وتبرز براعة حمِّيد كذلك في انتقاله السلس بين الخاص والعام، وبين اليومي والسياسي، دون أن يفقد النص تماسكه. ففي مشهد يبدو عفويًا، يدخل (جعفر) بوصفه شخصية قابلة للتأويل، حيث يُحيل لدى بعض القرّاء إلى جعفر نميري، في تماهٍ ذكي بين الواقعي والرمزي. ويعزز هذا التشكيل استدعاء الرقم (أحد عشر) (حداشر وخواجيه)، بما يحمله من إيحاءات قرآنية مرتبطة بقصة النبي يوسف، فيرتقي المشهد من سطحه السردي إلى عمق رمزي متعدد الطبقات.
ويمضي النص في كشف هذا التداخل حين يلمّح إلى (الخواجات) و(جماعة السي آي إيه)، في إشارة إلى تشابك المحلي بالعالمي، وتداخل السلطة الوطنية مع التأثيرات الخارجية. هنا تتجلى مكر الرمزية، حيث لا تُطرح الأفكار مباشرة، بل تُنسج داخل صور ومشاهد تبدو بسيطة، لكنها تنطوي على نقد سياسي حاد.
وتتعمق هذه الرمزية عبر استدعاء الأرقام، خاصة (سبعة) (ستة خرفن وتيس ما كفن.. ستة زائد واحد)، في إحالة ضمنية إلى شخصيات سياسية بعينها تم إعدامها في بداية السبعينيات مع انقلاب يوليو، مثل بابكر النور والشفيع أحمد الشيخ وغيرهما، بما يعكس لحظة سياسية مشحونة بالصراع بين التيارات الاشتراكية والرأسمالية، ويكشف بشكل غير مباشر تحولات السلطة وتبدلات تحالفاتها، واختلال ميزان العدالة.
ولا تقل الأسماء الأخرى دلالة، فشخصيات مثل الزين ود حامد وست الدار بت أحمد جابر، النوباوية، محجوب، الشوق، زنجك حلبك بجتك عربك.. وغيرها تحمل إشارات اجتماعية وثقافية تكشف مواقعها داخل البنية الطبقية للنص، وتمنح العالم الشعري بعده الإنساني الحي.
بهذا التشكيل المتقن، ينجح حمِّيد في صياغة خطاب شعري يتجاوز الحكاية إلى بناء رمزي مركب، تتداخل فيه الذوات بالتاريخ، واليومي بالسياسي، في نص يحتفظ بتماسكه رغم اتساعه، ويظل مفتوحًا على قراءات لا تنتهي.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #فخر_الدين_حسب_الله #رسائل_ست_الدار #مكر_الرمز #عبدالخالق_محجوب #سيميولوجيا_الشعر #الزين_ود_حامد #بنية_النص #التاريخ_والسياسة #الرموز_القرآنية #نقد_أدبي #شعر_العامية #السودان #خطاب_الحكاية #الوعي_الطبقي #أدب_الرسائل #تفسير_الرمز #الواقع_والخيال

Leave a Reply