محمد إبراهيم عمر
لا يبدأ نص محمد الحسن سالم حمِّيد من نقطة مركزية، بل ينبت كالأشجار في جروف النيل، يتمدد عرضًا ليشتبك بكل ذرة تراب سودانية. هو ليس مجرد شاعر، بل هو شبكة من الأوجاع والآمال، حيث تتحول القصيدة عنده إلى كائن حي، لا رأس له ولا ذيل، بل مفاصل من ضوء وتعب.
لغة “معطونة بالعرق”:
تتسلل لغة حمِّيد كالجذور تحت الأرض؛ هي عامية الرنين، لكنها كونية الوجع. حين يكتب، لا يكتفي برسم الكلمات، بل يستدعي (عرق الترابلة) ليقطر من الحروف. إنها جمالية البساطة التي تخون التوقعات؛ فالبساطة عنده ليست سطحًا أملس، بل هي عمق بئر يرى فيها الغبش صورتهم الحقيقية.
في نشيد (سوقني معاك يا حمام)، لا يطير الحمام في سماء الرومانسية الضيقة، بل يحلق في فضاء (الوطن المعشوق). الحمام هنا ليس طائرًا، بل هو حكيم يحمل في منقاره غصن زيتون نوح، ليربط بين ميثاق السماء وأرض السودان التي أرهقتها الحروب.
شظايا الصور وحوارات الروح:
الخيال عند حمِّيد ليس زينة، بل هو سردية بصرية تقاوم العدم. الصورة الشعرية لديه لا تتجمد في إطار، بل تتحرك:
“درب من دم ما بِيودّي.. حرب سبّة حرب حرام”..
هنا، يصبح (الدم) جغرافيا سدت المسارات، وتصبح الحرب كائنًا يقتات على الوجود (تشيل وتدّي). وفي (جوابات ست الدار)، ينكسر التسلسل الهرمي للسرد؛ فتختلط تفاصيل (القفة) والبيت وقضايا التغيير الكبرى، لتشكل نسيجًا واحدًا لا ينفصل فيه الخاص عن العام. إنها كتابة الحياة في لحظة فورانها.
جمرة في كف القصيدة:
لم يكن حمِّيد يرتدي الالتزام كمعطف سياسي، بل كان الالتزام هو جلده الذي يحس به مسامات الأرض. القصيدة عنده لا تنحني للسلطان، بل تنحني لتمسح الغبار عن جبهة (المخرطة والطورية). الجمالية هنا تنبع من صدق الانتماء؛ فالجمال ليس في الترف، بل في (الجمرة التي تلهلب حية) في يد الكادحين. هو الشاعر الذي جعل من (الطين) مادة مقدسة للغناء، محولًا أنين المهمشين إلى أوركسترا كونية.
تناصّ الأنبياء والفقراء:
تتشابك في نصوصه خيوط الزمن؛ يصافح (نوح) في غرق الوطن، ويستدعي (عنترة) و(زرياب) ليس كأقنعة تاريخية، بل كأرواح تسكن جسد الغلابة اليوم. هذا التناص ليس استعراضًا معرفيًا، بل هو جسر أفقي يربط بين الأسطورة والواقع، بين وجع الأنبياء وصبر السودانيين.
النشيد الذي لا ينتهي:
رحل حمِّيد، لكن “جذوره” ظلت تنمو في مسجلات القرى، في حناجر الطلاب، وفي أحلام المزارعين والرعاة والفقراء. نصه ليس وثيقة للماضي، بل هو كائن متجدد، يخرج من الأرض كلما سقاها الكادحون بعرقهم. إنه النشيد الذي يبدأ من كل مكان، ويؤدي إلى كل إنسان.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #محمد_إبراهيم_عمر #جغرافيا_الطين #سيرة_الريح #عرق_الترابلة #جمالية_البساطة #ست_الدار #الواقعية_السحرية_السودانية #أدب_المهمشين #تناص_الأنبياء #سوقني_معاك_يا_حمام #الالتزام_الإنساني #شعر_العامية #السودان #النشيد_الخالد #رموز_الوطن #القصيدة_الكائن #ثقافة_المقاومة

Leave a Reply