محمد الحاج
أيّها الممزّقُ في نشيدك..
إليك، وأنتَ توغلُ في بعيدك
قد لا تحملُ الحمائمُ غدًا بريدك،
وقد تفقدُ نسائمُ الفجرِ صهلةَ قصيدك،
وقد تتشبّثُ الأرضُ بخيطِ الدمِ النافرِ من وريدك،
وقد يفتقدُ الفقراءُ والنخلُ والنيلُ جديدك.
ربما لا تُغنّي الصبايا في يوم عيدك..
لأنك كنتَ تُخاتلُ ذئبًا
فشدَدتَ دمكَ قبل أن تصيد،
فإذا بالموتِ.. يصيدُك!
أربعة عشر عامًا مرّت على رحيل (حمِّيد).. ولا يزال يسكنُ سهب الغياب.
ليس من قبيلِ الصدفة أن يصطفيه القدرُ وتخطفه المنية في (يوم الشعر) وكأنّ القصيدة أبت إلا أن تختار فارسَها في يوم عرسها، وفي لحظةِ تجلّي النشيد.. لتُقلّده تميمةَ الخلود.
(الكلامُ على الكلامِ صعب)، كما قال النفري..
وكم هو قاسٍ على المرء أن يختصر ببضع كلمات قامةً إبداعية وإنسانية بحجم حمِّيد، ذاك الذي خبّأ الوطن في حنايا روحه وحمله على كفوف شعره. وجاء يرفّ كفراشات الحقول، محلّقًا كطائر مغسول بالضوء من ينابيع العذوبة، مضرجًا بأنين السواقي وحزن النخيل، حاملًا تعب القرى الحانيات على ظمئها الطويل.
نحت حمِّيد كلماته من صخر المواجع، ونظمها كخرزٍ من نور، ولوّح بها في وجه العتمة كسيفٍ من لهب.
لم يكن مجرد شاعر، بل كان رائيًا، تتولّد لغته من رحم الحياة لا من قواميس البلاغة، لذلك جاء شعره ملتصقًا بنبض الأرض ومعجونًا من صلصالها، ومشحونًا بروح الكفاح.
حاملًا نشيده الملتاع كعصفور دوريٍّ يبشرنا:
“صِد لي ملامحك يا حراز..
ريح العوارض غربت
فرتق ضفايرك للرزاز..
جية العصافير قربت”
غنّى حمِّيد للحرية والسلام، وهتف ضد الطغاة، ورسم ملامح (وطن البراح) الذي يحلم به الجميع:
“لو نتحد ضد الجراح..
نبني الديمقراطية صاح
وطنًا مجير، لا مستجير.. لا مستبد، لا مستباح
أرضًا سلاح.. أرضًا سلاح”
كان الشعر عنده ضرورة وجود، وموقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون فعلًا جماليًا. بكلماته رفع الغطاء عن عتمة الواقع، وواجه الظلام بجرأة الضوء.
وقد نهض، مع رفاقه من شعراء العامية، بحمل الكلمة إلى مقامها الأسمى، فجعلوا منها صوتًا للحرية ومرآةً لوجع الناس.
غرس حمِّيد زهرته في برية الوجود، ونثر سنابله ومضى بقلبٍ لا يتدثّر إلا بالمحبة. نقش في جبين الزمن أثرًا لا يُمحى، وترك لنا من الشعر ما يسدّ ثلمة القلب، ويبدّد وحشة الروح.
الشاعر لم يمت..
بل عبر من ضفّة الحضور إلى ضفّة الذاكرة، ومن جسد القصيدة.. إلى وهجها الخالد.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #محمد_الحاج #نبوءة_الضوء #حفيف_الغياب #يوم_الشعر_العالمي #وطن_البراح #أرضا_سلاح #شعر_العامية #السودان #رموز_الإبداع #القصيدة_الخالدة #صوت_الفقراء #تعب_القرى #نخيل_الشمال #الالتزام_الأخلاقي #روح_الكفاح #ذاكرة_الوطن #رحيل_فارس_الكلمة

Leave a Reply