يوسف الغوث
آه يا وطني المستفُّ في المطارات القصيّة،
آه يا كفني المنتفُّ في مدارات القضيّة،
آه يا صمتي المكتفُّ في العبارات النديّة،
آه يا نفسي المُلطَّف بالنهارات الصبيّة،
آه من رفع المصاحف بالرماح الأحنبيّة..
ثمّة شعراء لا يكتبون بأحبار الأرض وحدها، بل تمتدّ أصابعهم إلى ضوءٍ لا يُرى، فتخرج الكلمات من بين أضلعهم كأنّها أنفاسُ راهبٍ في صومعة، أو شهقةُ عاشقٍ على أعتاب الحضرة. ومن هؤلاء محمد الحسن سالم حمِّيد، شاعر النيل والهامش، الذي ظننّاه محبوسًا في سجون السياسة وأوجاع الفقراء، فإذا به، في لحظاتٍ من شعره، يرفع رأسه إلى سماءٍ لا تعرف الحدود، ويمضي بروحه في رحلةٍ لا تُوصف؛ يتحوّل الحجر في حضرته إلى نور، والتراب إلى حضرة، والصمت إلى لغة لا تنطق إلا لله.
نحن لا نقرأ التصوّف عنده مذهبًا، بل نراه تجلّيًا؛ ولا نحلّل النص، بل نغوص فيه كما يغوص الصوفي في بحرٍ لا شاطئ له. إنّها محاولة لالتقاط ما لا يُلتقط، ولملمة ما تناثر من أنوارٍ في ثنايا لغةٍ ظنّها الناس عاميّة، فإذا بها تصلّي في خشوع.
الوطن في شعر حمِّيد ليس مجرّد بقعةٍ على الخريطة، ولا شريطًا من ترابٍ يبكي عليه الحزين، بل هو حضرة، وجودٌ أزليٌّ نُزع من الروح، فظلّ الإنسان يتيه في مطارات الكون البعيدة. كلّ مكانٍ صار منفى، وكلّ أرضٍ أصبحت غربة. إنّه اغترابٌ أنطولوجيّ، أن تكون هنا وأنت هناك، أن تمشي على الأرض وقلبك معلّق في علوٍّ لا يُرى.
تلك هي مأساة الإنسان المناضل: وطنٌ واحد، لكن أبوابه لا تُفتح إلا لمن “ماتوا قبل أن يموتوا”. وحين يقول حمِّيد (وطني المستفّ)، كأنّه يبوح بسرّ الوجود، وكأنّنا مسلوبون حتى من أوطاننا، لا نملك من الأرض إلا ما يكفي لدفن أحلامنا.
أمّا الكفن في لغته فليس قماشًا أبيض يُلفّ به الجسد، بل رمزٌ لموتٍ لم يكتمل؛ كفنٌ ممزّق، مرفوعٌ عن الجسد، كأنّ الموت نفسه قد تجاوز ذاته. هنا يتحدّث عن فناءٍ في الفناء، عن لحظةٍ يصير فيها العدم أكثر حضورًا من الوجود. “مدارات القضيّة” ليست سوى أفلاك القدر، حيث يدور الكفن كروحٍ تحرّرت من سجن الجسد، فلم تجد سقفًا يحجبها ولا سماءً تبلغ منتهاها.
الصمت عنده ليس سكوتًا عاديًّا، بل صمتٌ مكتفٍ بذاته، لا يحتاج إلى ضجيجٍ ليؤكّد وجوده. يسكن في قلب العبارات النديّة، كأنّ الكلام الرقيق حضنٌ دافئ لصمتٍ أعمق. هنا يصبح الصمت لسان حال، لغة العارفين الذين لا تحبسهم الأبجدية، بل تتسرّب معانيهم كندى الفجر، تُسمع بالروح لا بالأذن.
ثم تأتي النفس، لا بوصفها أمّارة، بل وقد تلطّفت حتى صارت مرآةً صقيلة تعكس الأنوار. “النهارات الصبيّة” هي لحظات الإشراق، حين تتفتّح بصيرة القلب، فيرى ما لا تراه العين. إنّها نفسٌ تحرّرت من امتلاك الأشياء، فامتلأت بها، وصارت حضورًا خالصًا، كالضوء: موجودة دون أن تُمسك، ومُنيرة دون أن تتعلّق.
وفي ذروة هذا الكشف، يصل حمِّيد إلى لحظة التصادم بين المقدّس والمدنّس: (رفع المصاحف بالرماح). هنا تبلغ القصيدة أقصاها؛ حيث تتحوّل رموز الرحمة إلى أدوات قسوة، وينقلب المعنى، فيصير الدين سلاحًا. لكن الشاعر، في عمقه الميتافيزيقي، يميّز بين الصورة والحقيقة: بين جسد المصحف وروحه، بين الورق والنور. فالحقيقة تظلّ طاهرة، لا تمسّها الأيدي ولا تلوّثها النوايا.
إنّها لحظة انكشاف القناع: حين يُستغلّ المقدّس، ويُصاغ إلهٌ على مقاس السلطة، ويُرفع النصّ ليُقاتَل به. هنا لا يكتب حمِّيد قصيدةً سياسية أو صوفية فحسب، بل يكتب “قصيدة الوجود”؛ يرسم أنطولوجيا الإنسان المغترب بين النفي والقضاء، بين الصمت والكلام، بين ظلمة الجسد ونور النفس.
جمال هذا الشعر لا يأتي من مصطلحاتٍ جاهزة، بل من صدق الرؤية التي ترى في كلّ ظاهرٍ إشارةً إلى باطن. ومن يمتلك أذنًا روحية، يسمع في هذه النصوص صدى أسئلةٍ أزلية، لا تجيب عنها القصيدة، لكنها تجعلنا نعيشها، ونرتقي عبرها في مداراتٍ بلا سقف، لنصير، ولو للحظة، وطنًا لأنفسنا، قبل أن نهوي مرّةً أخرى إلى أرض المنافي.
هكذا كان شعر حمِّيد: كثافة صورة، وعمق إشارة، وشاعرية روحية وميتافيزيقية متكاملة، تتجاوز اللغة لتلامس جوهر الإنسان.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #يوسف_الغوث #تجلّيات_الروح #نبوءة_الضوء #التصوف_الوجودي #أنطولوجيا_الاغتراب #حضرة_الوطن #الميتافيزيقا_الشعرية #شعر_العامية #السودان #مدارات_القضية #العبارات_الندية #رفع_المصاحف #فلسفة_حميد #القصيدة_الصلاة #نور_النفس #إشراق_الكلمة #جوهر_الإنسان

Leave a Reply