د.حنان الهادي
في كل مرة نعود فيها إلى محمد الحسن سالم حمِّيد، نكتشف أننا لا نقرأ شعرًا.. بل نقرأ محاولةً جادة لفهم بلدٍ كامل.
لم يكن حمِّيد شاعرًا يكتب عن الوطن.. بل كان يكتب كيف يجب أن يكون الوطن.
لم يكن مشروعه قصيدة، ولا ديوانًا، ولا حتى تجربة شعرية عابرة. كان مشروعًا كاملًا..
يحاول أن يعيد ترتيب العلاقة بين الناس وبلدهم، أن يجعل الفقير مرئيًا، والمهمّش مسموعًا، والإنسان العادي.. محور الحكاية.
في نصوصه، لم يكن “الغلابة” مجرد موضوع، بل كانوا شركاء.
يتحدثون.. يشتكون.. يحبون.. ويغضبون.
كأن حمِّيد لم يكتب عنهم،
بل أعطاهم الميكروفون لنسمعهم.
ولذلك، لم تكن قصائده بريئة. كانت منحازة، واضحة، تغضب أحيانًا.. لأنها ببساطة كانت تقف في صف الناس.
في قصيدته (نادوس)، لم يكن ينادي بالكلمات.. بل كان يوقظ شيئًا نائمًا. ليست جمل شعرية فقط، بل لحظات وعي.
كان حمِّيد يفهم أن التغيير لا يبدأ من القمة، بل من الوعي. ولهذا، بنى قصائده بإحكام: يبدأ بالحكاية، يمر عبر الألم وينتهي بسؤال مفتوح، سؤال لا يجيب عليه الشاعر.. بل يتركه للناس.
ولهذا أيضًا، امتلأ شعره بالشخصيات.
(عم عبد الرحيم).. لم يكن شخصًا واحدًا، بل طبقة كاملة.
)نورا).. لم تكن امرأة، بل وطنًا يحاول أن يتماسك.
كان يصنع رموزه من الحياة، لا من الخيال، ولهذا بقي.
لكن.. لماذا كتب الكثيرون أن مشروع حمِّيد لم يكتمل؟
لأن المشروع لم يكن أدبيًا فقط، بل كان يحلم بواقع. يحلم بوطن (لا مستبد، لا مستباح).. وطن يتسع للجميع، وهذا الحلم.. لم يتحقق بعد.
رحل حمِّيد.. قبل أن يرى ما كان يكتبه يتحول إلى حياة.
ولهذا يبدو رحيله مختلفًا. ليس لأنه رحل مبكرًا فقط، بل لأنه ترك خلفه فكرة.. ما زالت تنتظر من يكملها.
اليوم، نقرأ حمِّيد بطريقة مختلفة.
لم نعد نبحث عن الجمال في كلماته، بل عن الأسئلة التي تركها:
هل ما زال (عم عبد الرحيم) يتكرر؟
هل ما زالت (نورة) تبحث عن وطن؟
هل تغيّر شيء.. أم أننا أصبحنا أقل انتباهًا؟
والأخطر من غياب حمِّيد، ليس أن لا نكتب مثله.. بل أن لا نرى ما كان يرى.
اليوم، تمرّ نفس الوجوه، وتتكرر نفس الحكايات، لكننا لا نتوقف عندها. كأننا اعتدنا ما كان يجب أن نرفضه، وتعلمنا كيف نتعايش مع ما لم يكن يجب أن يكون.
وهنا.. لا يبدو غياب حمِّيد فقدًا لشاعر فقط، بل فقدًا لطريقة ترى الإنسان قبل الحكاية، والحكاية قبل العنوان، والحياة.. قبل أن تختصرها اللغة.
حمِّيد لم يترك لنا قصائد ناقصة.. بل ترك لنا وطنًا ناقصًا، مشروعه لم يتوقف عند رحيله.. بل في انتظار من يكمله.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #د_حنان_الهادي #مشروع_حميد #عم_عبد_الرحيم #نورا #وعي_الغلابة #وطن_الفقراء #أسئلة_الرحيل #أدب_الانحياز #شعر_العامية #السودان #نبوءة_التغيير #الرمز_والواقع #المهمشون #تفكيك_الواقع #حلم_نورا #إنسان_حميد #النشيد_المستمر

Leave a Reply