حمِّيد.. إنسان نادر على طريقته

صحيفة الهدف

عبد الجليل عبد الحليم

استعير العنوان من كاتبنا القامة الطيب صالح، وإن كان حمِّيد يملأ الذاكرة عرضًا وطولًا، وغير قابل للنسيان. وحمِّيد ابن بيئته، وجذوره ضاربة في أعماق الجغرافيا والتاريخ كنخلته تلك، بل حمِّيد هو النخلة نفسها.
النخلة
في الليل المهول
وحيدًا
في عز الرياح
فارس يدارق
في الرماح
الجاية من كل اتجاه
رغم الجراح
شحّ ألمي والزاد والسلاح
راكز.. يصول
لا أنّة.. لا حِنى للجِباه
لا خان بصيرتو الانتباه
لا حتى قال: يِلّ المغول
ولا ختّاه.. آه..
على عز قديم
روّح عجول
عفوًا يا إنسان إن تقاصرت كلماتي عن بلوغ غاياتها، لتكتب عنك وعن لحظات جاد المولى علينا بها، وتفضّل علينا بحسن صحبتك. اتسعت حبيبتنا الخرطوم والمنافي لمشاوير وخطى مشيناها فيها، كنت الحادي والهادي والدليل. لحظات اعتنت بحفظها وترتيبها ذاكرتي، التي تعلم أنها لا تجيد الحفظ والترتيب؛ فأنا يا صديقي ما زلت أعيش فوضاي تلك التي تعرفها وتنتقدها.
سأحاول أن أكتبك، وأنفض الغبار عن بعض لحظات غنية بإنسانيتك، استجابة لتكليف الأخ عبد المنعم. فكم قاسٍ وصعبٌ الكتابة عن الأصحاب الذين انتخبهم الله إلى جواره، فغادرونا دون كلمة وداع، وأصعبها الكتابة عن حمِّيد؛ الشاعر الإنسان المناضل، حمِّيد الفارس، حمِّيد الجسارة.
سأقلب في دفتر ذكرياتي مع حمِّيد، وليعذرني القارئ إن لم تكن كتابتي على مستوى حمِّيد والحدث؛ فحمِّيد، يا سادتي، لن يستطيع أن يكتب عنه أو يوفيه حقه أي كاتب مهما أوتي من مجامع الكلم وحذق اللغة والبيان.
سأبدأ من الدوحة، وأعود (فلاش باك) إلى الخرطوم. أذكر كما الأمس أن اتصل بي الصديق المشترك بيني وبين حمِّيد، الأخ زكي منصور، من أبناء كوستي التي نحب وتجمعنا، ليخبرني بأن حمِّيد أخيرًا قد اقتنع ووافق على السفر، وسيكون بطرفكم في الدوحة خلال الأيام القادمة. لم يستخدم زكي منصور مفردات “يغترب” أو “يهاجر”، ليقينه، ويقيني أنا أيضًا، أن الهجرة والاغتراب لا تعبّران عن حالة سفر حمِّيد، فهو القائل: “وطني ولا ملي بطني”.
تلقيت الرسالة، لا أقول بفرح؛ فقد كانت حالتي أقرب للحزن والأسف على ما وصل إليه حال البلد. لم يكن الأمر يحتاج إلى كثير شرح؛ فقد سيصل إلى مطار الدوحة في تمام الساعة كذا وبتاريخ كذا. تواصلت مع عدد من أصدقاء ومريدي حمِّيد، وهم كثر، وكنا في استقباله، مع مجموعة من أبناء نوري، أهله وعشيرته. وصل، وبعد نقاش، اتفقنا أن ننزل عند رغبة أهله لاستضافته بدارهم العامرة في الريان.
قمنا، كمجموعة أصدقاء، بعقد اجتماع سريع، وقررنا تفعيل موضوع الجمعية. وكانت الجمعية في الدوحة آنذاك تعتمد على مبادرات شخصية لدعم القادمين الجدد حتى يجدوا عملًا، ثم يتحولون بدورهم إلى داعمين لغيرهم. كلفني الإخوة بمهمة تسليم حمِّيد المبلغ الذي تم جمعه، وكلنا نعلم صعوبة المهمة، بل استحالتها.
ذهبت إلى بيت أهل نوري، وأخذته في جولة بالسيارة، وفي الطريق أعطيته ظرفًا مغلقًا. بدأ النقاش يحتدم أحيانًا ويهدأ أحيانًا، وهو يرفض وأنا أصر. وبعد محاولات طويلة، قال: سأقبل الظرف بشرط.
قلت له: خذ الظرف، وكل شروطك مستجابة، المهم ألا ترفضه.
توقفنا على كورنيش الدوحة. قال لي: تعرف يا عبد الجليل..
وبدأ يستدعي من ذاكرته شخصيات من نوري، كأنها خرجت من قصائده: أم السرة بت عوض الكريم، ست الدار، حمتو، وحتى نورة. قال: فلان ود فلان.. قبل ما أسافر بأيام، حمارته ماتت!
ثم شرح لي كيف أن تلك الحمار كانت مصدر رزقه وسنده. وتحدث عن آخر انتُزعت منه أرضه، وعن امرأة لم تعد ترى بسبب كسر نظارتها. ظل يسرد عشرات الحالات، حتى نفد صبري وامتلأت عيناي بالدموع.
ثم قال: ديل كلهم محتاجين للقروش دي أكتر مني.
وطلب مني أن أرسل المال إليهم، وأن أوصله عبر شخص أمين، دون أن يعرفوا مصدره.
بكيت يومها، وبكيت حين جاءني خبر رحيله المر. فمن لهؤلاء من بعده؟
رحم الله محمد الحسن سالم حمِّيد

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #عبد_الجليل_عبد_الحليم #حميد_الإنسان #إنسان_نادر #نخلة_نوري #مواقف_ومآثر #الدوحة #أدب_الرفقة #الشاعر_الفارس #وفاء_الأصدقاء #شعر_العامية #السودان #حكاية_موقف #نبل_الفرسان #ذاكرة_الخالدين #إرث_المحبة #الوطن_في_الغربة #حادي_الركب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.