حمِّيد.. بين الالتزام الإيديولوجي والانحياز الإنساني

صحيفة الهدف

د.توتا صلاح مبارك

تستدعي تجربة الشاعر السوداني محمد الحسن سالم حمِّيد إعادة النظر في مفهوم (شعر الالتزام)، ذلك المفهوم الذي ارتبط بفكرة انخراط الأدب في قضايا الواقع. غير أن هذا الارتباط ظل، في كثير من القراءات، ملتبسًا، إذ جرى اختزاله في خطاب أيديولوجي مباشر يفقد الشعر كثافته الجمالية.
غير أن تجربة حمِّيد تكرّس صيغة أكثر تركيبًا، يتداخل فيها الالتزام مع ما يمكن تسميته ب(تمثيل الهامش) وإعادة إنتاج معنى الوطن. فالالتزام في شعره لا يحضر بوصفه شعارًا أو خطابًا هتافيًا، بل يتبدّى كجمالية تتقاطع مع بعض اتجاهات الواقعية الاجتماعية، حيث يغدو الواقع مادة لإعادة التشكيل لا مجرد انعكاس. إذ يُبنى العالم الشعري عنده انطلاقًا من تفاصيل الحياة اليومية، ومن أصوات غالبًا ما تُقصى من السرديات الكبرى:
“أمونة الصباح قالتلو النعال
والطرق انهرن.. ما قالتلو جيب
شيلن يا الحبيب.”..
في هذا السياق، يبرز الإنسان البسيط بوصفه مركزًا دلاليًا لا هامشًا. وتتجاوز علاقة الشاعر بالمكان والناس حدود التوصيف إلى التماهي، حيث يغدو الوطن معيشًا في تفاصيل البسطاء، لا في الخطابات المجردة. ومن ثم، لا يعود الهامش موقعًا للغياب، بل فضاءً لإنتاج المعنى.
كما تتجلّى في شعره نبرة انحياز واضحة للإنسان بوصفه قيمة إنسانية مفتوحة، غير تابعة لتصنيف ضيق. ويتجسد ذلك في الاحتفاء بالبساطة، لا بوصفها نقصًا، بل باعتبارها جوهرًا إنسانيًا يعيد الاعتبار لما همّشته السرديات الرسمية.
هذا التداخل بين الأيديولوجي والجمالي يتيح قراءة تجربة حمِّيد بوصفها إعادة تعريف لشعر الالتزام. فهو لا يكتب من داخل نسق مغلق، بل يذيب الأيديولوجيا داخل التجربة الشعرية لتغدو طاقة تخييلية خلاقة. ومن ثم، يقترب من تصورات نقدية ترى أن الأدب لا يعكس الواقع فحسب، بل يعيد إنتاجه رمزيًا.
ومن هنا يمكن فهم تمثيله للوطن بوصفه فضاءً تعدديًا، لا يُختزل في صوت واحد. فالوطن في شعره ليس كيانًا جاهزًا أو نمطًا ثابتًا، بل فعلٌ مستمر يتشكل عبر أصوات الفقراء والأطفال والمهمشين:
“شفّع العرب الفتارى
البفنّو الشايلا إيدن ويجرو كابسين القطارة
لا سراب الصحراء مويه”
تكشف هذه المقاطع عن إعادة توزيع للسلطة الرمزية داخل النص، حيث تُمنح الفئات المهمشة موقعًا فاعلًا في إنتاج المعنى، الأمر الذي يفضي إلى مساءلة ضمنية للخطابات الرسمية التي تحتكر تمثيل الوطن.
من هذا المنظور، لا تعود العلاقة بين الالتزام والحرية علاقة تضاد، بل علاقة جدلية تُظهر قدرة النص الشعري على تجاوز الثنائيات الصلبة. فالشاعر يحافظ على موقعه ضمن أفق انتماء معين، دون أن يحوّله إلى أداة إقصاء، بل يجعله مدخلًا لإنتاج رؤية إنسانية أكثر اتساعًا.
وأخيرًا، يمكن القول إن تجربة حمِّيد تعيد تعريف (شعر الالتزام) بوصفه ممارسة جمالية منخرطة في العالم، لا بوصفه خطابًا أيديولوجيًا مباشرًا يقيّد الخيال. كما أن تمثيل الهامش لديه لا يقتصر على كونه اختيارًا موضوعيًا، بل يتأسس كفعل شعري يعيد توزيع مركزية الصوت داخل النص، بما يمنح الأدب قدرة على مساءلة الواقع وإعادة تخيّله وتشكيله.

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #د_توتا_صلاح_مبارك #شعر_الالتزام #تمثيل_الهامش #الواقعية_الاجتماعية #جماليات_الأيديولوجيا #السرديات_الكبرى #أدب_المهمشين #الوطن_المعيش #شعر_العامية #السودان #السلطة_الرمزية #إعادة_إنتاج_الواقع #فلسفة_الجمال #نقد_أدبي #صوت_الفقراء #التخييل_الشعري #جدلية_الالتزام_والحرية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.