ثورة بنكهة شعريّة: محمد الحسن سالم حمِّيد.. صوت الشعب ومرآة الوطن..

صحيفة الهدف

سيد أحمد علي بلال

كشفت الحقبة الممتدة من ديسمبر 2018 وحتى اليوم عن قدرة هائلة لدى مختلف فئات الشعب السوداني على ارتجال الشعارات والشعر والخطابات، وتطويرها بالقوافي والتنغيم الموسيقي والزغاريد، التي تعلمتها شابات سودان القرن الحادي والعشرين المدينيّات ارتجالًا وكفاحًا من شوارع التظاهر ولهيب ساحات المعارك، بدون تدريب يذكر في الأعراس.
كانت صياغة الشعارات وارتجالها وموسقتها أكثر حضورًا خلال فترة التظاهرات المتحركة بفرها وكرها، وتقنياتها بالاحتشاد المموّه والتنفيذ في التوقيت المعلن بإطلاق هتاف أو زغرودة. بيد أنّ الفترة التي تلت 6 إبريل الماضي (ذكرى انتفاضة مارس إبريل 1985) والاعتصام أمام واجهة القيادة العامة للقوات المسلحة، وفّرت للحراك الثوري ميدانًا ثابتًا في إطار نقلة نوعية، صار فيها ميدان الاعتصام مولّدًا ثوريًّا يجد وقوده في تواجد وتواصل شعبي مستمر، تمكن من توفير كل أشكال الدعم المادي والمعنوي، وجعل من ميدان الاعتصام أملًا للثورة وبعبعًا لأعدائها على مدى خمسين يومًا، إلى أن تم فضّه بالقوة المسلحة في مذبحة ستظل أصداؤها وذيولها وشهداؤها ترفد الخط الصاعد في السياسة السودانية لوقت طويل.
وفّر ميدان الاعتصام، إلى جانب ذلك، منصات خطابة وأشكال إبداع أخرى لناشطين وشعراء وفنانين، بالإضافة إلى التشكيليين الذين جعلوا من الميدان والجدران المجاورة فضاءات للأعمال الفنية، من جداريات وصور للشهداء وخيم لكل الفئات ولكل الأغراض الحيوية. وقد أزيلت تلك المعالم، بل وأحرق معظمها بعد مذبحة فض الاعتصام، وها هي تعود من جديد تعبيرًا عن روح الثورة التي تحاول استعادة أراضيها المفقودة بعد التوقيع على الاتفاق بين تجمع إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري.
صاحب تلك الروح حضور قوي وباهر للغائبين من شهداء مسيرة الثورة، كما كان هناك حضور معنوي قوي للشعر والشعراء، وحضور أقوى لإثنين من الشعراء الذين غيبهم الموت قبل أعوام، إذ كانت أشعارهم ورؤاهم تحتفظ بطاقتها الكاملة على تحريك الجموع رغم غيابهم الجسدي.
وإذا كانت ساحة الاعتصام قد شكّلت مخططًا أوليًا للمشروع الحضاري لقوى ثورة ديسمبر 2018، فإن الملاحم والرؤى الشعرية لكل من الشاعر محجوب شريف، صاحب قصيدة (حنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي)، والشاعر محمد الحسن سالم الملقب بـ (حمِّيد)، صاحب رؤية تتحول فيها صحراء بيوضة القاحلة في شمال السودان إلى حقول برسيم علفًا للثروة الحيوانية للمنطقة، ستصير زادًا في مسيرة حملات تعمير وإعادة تأهيل بدأت الآن من حملة (حنبنيهو).
يمكن كتابة تاريخ ثورة ديسمبر بتتبع صدور أهم شعاراتها مثل: (سلميّة.. ضد الحرامية، ويا عنصري ومغرور.. كل البلد دارفور)، لكن الجيل (الراكب رأسه) الذي فعل وتفاعل وانفعل بالعملية الثورية يمكن أن ينتمي لروح الشعراء الغائبين أكثر من انتمائه للتاريخ حسب التواتر الزمني للثورة. ففي موكب تشييع جثمان الشاعر حمِّيد، الذي أقيم بعد وفاته التي وقعت في حادث حركة على طريق الشمال، وهو في طريقه للخرطوم للمشاركة في تدشين مجموعة شعرية لصديقه الشاعر السر عثمان الطيب، ورغم أنّ حمِّيد كان قد عبّر عن مخاوفه من ضياع الفعل الشعري سدى، إلاّ أنّه غلّب التفاؤل بأن لا شيء يضيع سدى، وإنما يتحول الفعل إلى غيوم تتشتت وتتجمع ثانية في زمن آخر ومكان آخر، إذ قال:
“هل يعني النهاية الموت
ويتبعزق غناك سدىً
أم أن الغيم حيتسابق
على الأرض العزيزة فداء؟”
ولد الشاعر محمد الحسن سالم (حمِّيد) في 1956، عام استقلال السودان، وأمضى طفولته الباكرة في بلدة نوري على الضفة الغربية للنيل، في منطقة تنتمي إلى تاريخ قديم بأهراماته ومملكاته النوبيّة القديمة.
تتميّز أرض بلدة نوري وامتداداتها بالخصوبة والاتساع، مما جعل أهلها يقيمون، منذ وقت مبكر، مشاريع زراعية تستخدم وسائل الري الحديثة في زراعة البساتين والجنائن وغيرها، بينما ظلت القرى الأخرى البعيدة تعتمد على ري السواقي حتى ستينيات القرن العشرين.
تقابل بلدة نوري من الضفة الشرقية للنيل مدينة كريمة، وهي محطة نهرية تستقبل البواخر النيلية، وبها ورش سكة حديد، ومكتبات، ومدارس، ومستشفى، ومركز شرطة، ووحدة مطافي، وغيرها من المؤسسات الحديثة؛ وقرب مدينة كريمة ينتصب جبل البركل. تعتمد بلدات وقرى المنطقة على الزراعة، وفيها مزارعون ذوو ملكيات صغيرة. تميّزت مجتمعات تلك المنطقة بتوسّع كبير في زراعة النخيل، قلّص من مساحة الأرض القابلة للزراعة بالمحاصيل الأخرى، كما تتميز بحالات الهجرة إلى المدن مع تزايد المكننة، ثم التوجه إلى هجرة أبعد بعد الفورة النفطية في الخليج. وقد انعكس كل ذلك في الأعمال الفنية لشباب المنطقة الموجودين فيها والمهاجرين منها في مجالات الشعر والغناء.
الفضاءات التي تتخلّق فيها الأعمال الفنية قد تشمل: حفلات الأعراس، الطريق الترابي الرئيسي (نهايات الأودية عند تقاطعها مع الطريق العام)، حيث يمضي الشباب (الذكور) قسطًا من أمسياتهم في جلسات أنس مسائية على ما تجلبه الوديان من رمال.
في الدرب يتعلّم الصبيان عزف آلة الطنبور؛ وفي القيلولة تتعلّم الفتيات الرقص على إيقاعات صوتية تسمى في بعض المناطق “النقرطة”، تصدر عن الأمهات والخالات والعمات. أما شرفات المتاجر، حيث الترزي وصاحب المتجر والزبائن، فهي الأخرى فضاءات القيلولة للرجال والصبيان؛ وقد امتدت هذه الفضاءات
لتشمل فيما بعد الأندية وداخليات المدارس. وكانت الثيمات الأساسية للشعر تتمحور حول أغراض الغزل والهجرة والحنين للوطن، وتتسرّب أسماء فواكه المنطقة من مانجو وجوافة وبرتقال وغيرها إلى مفردات الشعر ورموزه في تشبيهات لجغرافية الجسد الأنثوي.
من نهاية الستينيات وحتى منتصف السبعينيات، برزت أشعار جيل جديد لم يتنكّر لأبوّة الشعراء السابقين، رغم التفاوت في المستوى التعليمي، في إدراك حقيقي إلى أنّ الموهبة الشعرية والغنائية لا علاقة لها بالنجاحات الأكاديمية. وسار الجدد على نهج سابقيهم من حيث ربط الشعر بالغناء (شعر غنائي). أتى حمِّيد من تلك الخلفية وذلك السياق، وبرز مبكرًا كشاعر، بل وأعطى نفسه كلها للشعر.
في البداية نجد عند حمِّيد القصيدة الأغنية، ثم يتطور لكتابة الملاحم الكبيرة بعامية المنطقة، وكأنه يكتب ملاحم حياة إنسان قرى المنطقة وامتداداتها الوجدانية لديه.
كان لمحطات حياة حمِّيد أثر كبير على شعره: هناك مدينة عطبرة (مدينة الحديد والنار) العمالية، بكادحيها راكبي الدراجات، وورش صيانة القطارات؛ ثم العمل في مدينة بورتسودان (الميناء) وصور القطار الذاهب إليها، حيث:
“شُفّع العرب الفقارا، اليفنو الشايلا إيدهم ويجروا لاحقين القطارا، لا سراب الصحرا مويه، لا حجار سلوم موائد”..
ثم العمل في الميناء حيث العمال النظاميون والعمال “المزاورية” (عمال اليومية)، ثم يأتي إلى الخرطوم للعمل والمشاركة في المنابر الطلابية في الجامعات لقراءة الشعر، ثم الارتباط بمغنيي المنطقة، وبالمغني الراحل مصطفى سيد أحمد، الذي مر بمناخات حمِّيد نفسها من الانتماء إلى قرية ثم التنقل في الدراسة في عدة مدن منها بورتسودان ثم الخرطوم؛ وقد ظل مصطفى هو الآخر يغرّد حتى آخر أنفاسه.
خطاب حمِّيد الشعري
خطاب حمِّيد الشعري ملحمي يتحدث عن بطولة، لكنها هنا بطولة الإنسان العادي في التصدي والتعامل مع شروط وجوده. هو خطاب (سردي، وصفي، درامي) عمل فيه على إبداع نصوص شعرية ملحمية مفتوحة ومتفتحة، ذات نفس طويل، وفضاءات فسيحة، حيث ينفذ شعره إلى الشارع والساحة والميدان والحقل والصحراء.
في نصوصه الشعرية تجد سير حياة ومسيرات كفاح لأشخاص وجماعات مثل (الضو وجهجهة التساب) و(السرّة بت عوض الكريم) و(عم عبد الرحيم)، حيث يتجلى ذوبان الأنا أو تذويبها في الكل.
لا بد أن حمِّيد سمع منذ عمر مبكر الإيقاع الموسيقي الذي يتدفق في الكلام العادي الشفاهي، في اللهجات، ولا شك أنه عرف أن اللغة العامية/ الشفاهية، لغة منطقته المفتوحة على التفاعل الألسني، وأن ثقافاتها تعجّ بتواريخ وسياقات، كما تتعرض لاعتداءات تستهدف طبقاتها المتراكمة منذ قرون. إنّها تشهد الآن تأكّل مكوّنها النوبي مع تراجع أدوات الزراعة القديمة (الساقية وملحقاتها) أمام توافد أساليب الري الحديثة؛ كما تشهد تراجع المعمار النوبي أمام غزو الطوب الأحمر والحديد والسيخ، وجدب الصحراء، وخطر هلاك نباتاتها وأعشابها نتيجة التصحر، ضمن مهددات أخرى مثل تعالي الخطابات السلفية الوعظية النكوصية.
قد يكون رحم الحياة العميق قد انتخب صوت حمِّيد لبث حيويّة جديدة في مفردات وشرائح لغة مهددة بالتآكل والاستباحة، كي يعيد لها رئة تتنفس بها ونبضًا جديدًا لضخ دمائها في مناخات الركود.
وهكذا يستنهض خطاب حمِّيد الشعري ويستفز قوى وطاقات الإنسان العادي ليكافح من أجل العيش والبقاء والتعبير.
أتخذ حمِّيد من تراث المنطقة اللغوي والثقافي، بسياقاته الاجتماعيةالتاريخية، إرثًا له يسبح فيه ويتفحصه ويجدل منه وبه حبال تواصله مع الطبيعة والبشر. وقد قادته العامية/ المحكية إلى التوجه نحو ما هو جوهري بدون ديكور أو زخرفة أو رتوش، فاكتشف أنّ للشاعر سلطة اعتبارية بحكم قدرة أدواته على تحريك الروح واستنفارها واستنهاضها.
ملاحم شعرية
تحاول ملحمة حمِّيد الشعرية (الضو وجهجهة التساب) مثلًا التعبير عن فيضان النهر، وعن لحظة انهيار عالم القرية أمام أعين أحد محبيها؛ وهي لحظة تتفكّك فيها ذاكرة القرية فوق واقعها السائل، ويتقاطع فيها الفردي والجمعي، وتمر جثة القرية على مرأى ومسمع من ابنها الضو، فلا يدري هل يستعيد مفرداتها أم ينعيها أم يبكيها أم يبكي مأساته؟
أما ملحمة (عم عبدالرحيم) فتحكي مأساة رجل يتوه في همومه، وهو على سرج حماره، يمر فوق قضيب قطار دون أن ينتبه إلى أنّه سيصطدم القطار به وبحماره ويقتلهما.
بالطبع يمكن كتابة تاريخ ثورة ديسمبر 2018 السودانية من زوايا متعددة، بأبعاد رأسية وأفقية، وبأبعاد تستلهم سطح الحركة أو أغوارها. وقد يمكن كتابته عبر الرصد الصحافي الوقائعي، كما يمكن رصد الشعارات المختلفة منذ تخلّقها الأولي إلى أن تعتلي، طائعة مختارة، اللسان الناطق بشعار الثورة. ويمكن أيضًا كتابتها عبر يوميات شاعرة كالمقاطع التي ظلت تأتي بها الشاعرة الطبية الشابة مروة، بل ويمكن الإتيان بطرق متعددة للتأريخ.
وبقراءة تتوسل قدرًا من الغوص في أعماق الأغوار، نجد أن العديد من مقاطع الشاعر حمِّيد قد اقتحمت التيار الرئيسي وولجت فضاء شعارات الثورة الأساسية مثل شعار (حرية، سلام وعدالة)، الذي ردد الشباب فيه صدى هتافهم في موكب تشييع جثمان الشاعر عام 2012: (حرية، سلام، حرية).
وهناك كلمات أغنية: (من حقي أغني) التي ظلت تُقرأ وتُغنى خلال التظاهرات، وهناك عدة مقاطع تحشيد استشرفت صورًا من المشهد المستقبلي ونبهت للطاقات الكامنة لدى الجموع، مثل:

“كلّها كمّها الرباطة
بي لُقّاطا
وإحنا كتار؟؟
صفًا واحدًا كالنيل
وقلبًا حار”
وهناك رؤى مثل:
“حلمت حلمت
إنّي صحيت
حلمت صحيت
وطن منضوم
بلا خطر وطواري تحوم”
وهناك أيضًا:
“ركزت على غناوي الفال
لساني سنين..
وحاضر بال
فنّالي التعب موّال
شهرت على المناحة غناي
فزع صبر الغلابا معاي”
وكشفه المبكر لملامح الخداع الديني في:
“يا البتخادع حتى الله
وين الشُّهرة، المال والجاه؟؟
وين السطوة؟؟ الجشع؟؟ القسوة؟؟
أركز! أركز!
لا تجيب رخوة
يا متلبّك في الأدران
الحجر الأسود ماهو البروة
وماها مكاوي الكعبة تجيها
حين يتكرفس ثوب التقوى
ومافي خرط للجنة تودي
لا في خطط ممهورة برشوة
والمشروع الديني الخالص
ما محتاج لدراسة جدوى
يا من قال يارب من قلبه
رد الخالق دايمًا أيوا”.

#ملف_الهدف_الثقافي
#محمد_الحسن_سالم_حميد
#الذكرى_14
#سيد_أحمد_علي_بلال
#ثورة_ديسمبر
#صوت_الشعب
#مرآة_الوطن
#شعر_الثورة
#ميدان_الاعتصام
#حنبنيهو
#عم_عبدالرحيم
#الجيل_الراكب_راسه
#الضو_وجهجهة_التساب
#شعر_العامية_السودانية
#نوري_وكريمة
#محجوب_شريف
#مصطفى_سيد_أحمد
#من_حقي_أغني
#حرية_سلام_وعدالة
#الثقافة_السودانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.