عبد المنعم مختار
ظلّت حركةُ الشعر في السودان، وبصورةٍ مستمرةٍ، تتناول قضايا الأمة العربية وقضايا النضال القومي في مختلف المراحل التاريخية. وبقي الهمُّ العربيُّ العامُّ محورَ اهتمام كثيرٍ من الشعراء السودانيين؛ فنجد مفرداتٍ مثل مصر، العراق، بغداد، دمشق، القدس، وغزة تعكس الوجدان القومي لديهم، ويتضح ذلك في نماذج عديدة دون ادعاء الحصر.
فمحمد مفتاح الفيتوري عبّر، في كثيرٍ من نصوصه الشعرية، عن القضية الفلسطينية بوصفها جرحًا مفتوحًا ونازفًا في الضمير العربي، حين قال:
“القدس في القلب لا تعزّ مآذنها
ولا ينام على أبوابها الألم.”
أما القدّال، وبلغته الشعبية القريبة من الناس، فقد جعل فلسطين رمزًا للمقاومة اليومية:
“يا فلسطين يا جرحنا المفتوح
يا نبضًا في ضلوعنا ما بروح.”
وأبدع محي الدين فارس وهو يغني للعراق/بغداد بوصفها حضارةً تُنتهك:
“بغداد يا وجع الحضارة حين تنكسر،
يا نخلة تبكي على دجلة وتنتظر.”
وبرع سيف الدسوقي في إبراز الحس القومي والالتزام الواضح بالقضية الفلسطينية:
“في القدس طفلٌ يستجير بحلمه،
وبحجره يمضي ليكتب عالمه.”
أما محمد الحسن سالم حميد، فقد شكّل، من خلال تجربته الشعرية، علامةً فارقةً في مسار الشعر العربي. انفتح حميد على هموم الأمة العربية، وجعل من القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا لرؤيته الشعرية، ورمزًا للصمود والتحدي والكرامة، و”ترمومترًا” يقيس صدق الانتماء العربي. ولم يقتصر انحيازه على فلسطين بوصفها قضية، بل امتد ليؤسس لرؤية وحدوية عربية عميقة، تستند إلى وحدة المصير والوجدان.
يقول حميد، داعيًا للوحدة العربية، في نصٍّ كثيف الدلالة:
“من شطرٍ عربيٍّ واحد
راضعين..
في الأول ينحبوا
وفي الآخر.. راح يرموا الحيطة
وعلى بعضِ قلوبن ينكبّوا
على صدر الأرض العربية
بالنور الأخضر ينعبّوا
جنيات السلم مباديها
الموية البينا تعدّيها
لا شرطة..
لا نقطة..
تلاقيها
كل إجراءاته الرسمية
أن تشرح ويفصح ما فيها
من عشق محبة وحنّية
لي كل الأرض العربية
بالشوق بتلوّح أياديها
على نخلة قديمة على الشاطئ
في طيبة تتذكر أساميها
والحيطة التقفل ترميها
بريح الوجد القومية
عقبان الحيطة البعديها
والحيطة البعد البعديها
لي آخر الحيط الوهمية..”
في هذا المقطع، يرسم حميد حلمًا عربيًا متكاملًا، تتلاشى فيه الحدود المصطنعة (الحيطة)، وتنهار الحواجز النفسية والسياسية، لصالح وحدة إنسانية وقومية قوامها المحبة والتاريخ المشترك. غير أن هذا الحلم لا ينفصل عن وعيه النقدي الحاد بالواقع، إذ يواصل في ذات النص الإشارة إلى التحديات الخارجية والتدخلات التي تعرقل هذا المشروع الوحدوي، مستحضرًا استمرار الاحتلال ومعاناة فلسطين.
يقول حميد:
“ولسّع في فلسطين محتلة،
وفي فلسطينات دار تُحتلّه.”
ويقول أيضًا:
“الحجر في المرة دي أقوى،
أقوى من عرق القصيد.”
ويمضي قائلًا:
“الحجر ما عندو سيد.”
ليؤكد أن المقاومة فعلٌ حرٌّ لا يخضع لوصاية، بل ينبع من إرادة شعبية خالصة.
وفي نصٍّ آخر، يستدعي حميد البعد التاريخي والديني حين يقول:
“بإصلاح الدين، لسه عافي منك لا يُضام”،
في إحالةٍ إلى صلاح الدين الأيوبي، موظفًا البعد التاريخي لاستنهاض روح التحرير وربط الحاضر بالماضي المجيد.
وفي موضعٍ آخر يقول:
“تالت الحرمين يا أقصى”،
في إشارةٍ إلى ما يحمله المسجد الأقصى من قداسة دينية ومكانة روحية، مما يضفي على القضية بعدًا عقائديًا يتجاوز الجغرافيا.
ويبدع حميد في تصوير معاناة الإنسان الفلسطيني، خاصة الطفولة الممزقة، حين يكتب:
“وفي الأرض طفلة.. تصرخ: غرااااق!”
مجسدًا براءة الطفولة في مواجهة العنف.
كما يعبّر عن خيبة الأمل في الواقع العربي، منتقدًا العجز والتباهي، ومقارنًا بين بطولة الشعب العربي وصمت الأنظمة العربية، في قوله:
“هل من عربٍ تربّوا الكلام؟”
ويبلغ ذروة الدهشة في مقطعه المؤثر:
“لو كل طلقة بدل أويل
تمشي إسرائيل،
كان هسّه في الأقصى بنصلّي قِبَل عديل،
ضحّينا كان في بيت لحم،
نهنّي بعضنا في الخليل،
ونغنّي عازّة..
بدل صرخات العويل.”
يظل صوت حميد شاهدًا على أن الشعر ليس ترفًا جماليًا، بل موقفٌ أخلاقي ووعيٌ حيّ، وأن القصيدة، حين تتكئ على وجع الأمة وتحلم بوحدتها، تصبح فعلًا مقاومًا بحدّ ذاته.. طريقًا إلى الحرية، ونداءً مفتوحًا لوطنٍ عربيٍّ لم يكتمل بعد.
#ملف_الهدف_الثقافي
#محمد_الحسن_سالم_حميد
#الذكرى_14
#عبد_المنعم_مختار
#فلسطين_في_شعر_حميد
#القدس_في_القلب
#المقاومة_بالشعر
#الحلم_العربي
#تالت_الحرمين
#الحجر_ما_عندو_سيد
#الوجدان_القومي
#الوحدة_العربية
#الأدب_السوداني
#قضايا_الأمة
#الفيتوري
#القدال
#محي_الدين_فارس
#سيف_الدسوقي
#بيت_لحم
#الخليل
#الأقصى

Leave a Reply