أمجد السيد
في خضم واحدة من أعقد الأزمات التي عرفها السودان في تاريخه الحديث، حيث تتداخل الح.رب مع الانهيار الإنساني والاقتصادي، ويغيب الأفق السياسي الواضح، تبرز أهمية أي جهد فكري أو سياسي يسعى إلى تقديم تصور عملي للخروج من المأزق. وفي هذا السياق، تأتي الورقة التي قدمها حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) إلى الآلية الخماسية الدولية في القاهرة بوصفها محاولة جادة للإسهام في إعادة صياغة مسار العملية السياسية على أسس وطنية واضحة.
هذه الرؤية لا تكتفي برفع شعارات عامة حول السلام والانتقال الديمقراطي، بل تحاول تقديم تصور متكامل لتصميم العملية السياسية من حيث المبادئ، وتسلسل الخطوات، والإطار الزمني، والضمانات المطلوبة لإنجاحها.
أولاً: أولوية إنهاء الح.رب كمدخل لأي مسار سياسي
أبرز ما يلفت النظر في رؤية الحزب هو وضع وقف الح.رب في صدارة الأولويات بوصفه الشرط الضروري لبدء أي عملية سياسية. فالح.رب الدائرة منذ أبريل 2023 لم تعد مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل تحولت إلى كارثة وطنية شاملة تهدد بنية الدولة والمجتمع معاً.
ومن هنا تؤكد الورقة على أن وقف إطلاق النار الشامل يجب أن يكون الخطوة الأولى، على أن يصحبه
فتح الممرات الإنسانية.
آلية رقابة موثوقة.
إجراءات لبناء الثقة بين الأطراف.
هذا الترتيب يعكس فهماً واقعياً لطبيعة الأزمة، إذ لا يمكن الحديث عن حوار سياسي حقيقي بينما تستمر العمليات العسكرية وتتعاظم المأساة الإنسانية.
ثانياً: الحل الوطني المدعوم دولياً لا الخاضع للوصاية
من النقاط الجوهرية في رؤية الحزب تأكيده على أن العملية السياسية ينبغي أن تكون حلاً وطنياً سودانياً يحظى بدعم إقليمي ودولي، لا أن تتحول إلى عملية مفروضة من الخارج.
هذا التوازن بين الملكية الوطنية للعملية السياسية وبين الدعم الدولي المساند يمثل أحد التحديات الكبرى في الحالة السودانية، حيث أظهرت التجارب السابقة أن غياب التوافق الداخلي يفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية المتعددة والمتعارضة.
ومن هنا تأتي دعوة الحزب إلى توحيد المنابر والمبادرات السياسية في مسار واحد متماسك، لتجنب تشتت الجهود وتضاربها، وهي مشكلة عانت منها كل المبادرات السابقة.
ثالثاً: استعادة المسار المدني الديمقراطي
تنطلق رؤية الحزب من أن جوهر الأزمة السودانية ليس فقط الح.رب الحالية، بل الانقطاع المتكرر لمسار الانتقال الديمقراطي منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 وما ترتب عليه من انهيار سياسي وأمني.
لذلك تقترح الورقة أن تفضي العملية السياسية إلى سلطة مدنية ديمقراطية انتقالية تتولى إدارة المرحلة القادمة، مع تحديد مهام واضحة تشمل
إصلاح القطاعين الأمني والعسكري.
معالجة الأزمة الإنسانية والاقتصادية.
إطلاق مسار للعدالة الانتقالية يضمن عدم الإفلات من العقاب.
هذه المهام تعكس محاولة لربط إنهاء الح.رب بإعادة بناء الدولة وليس مجرد إدارة وقف إطلاق النار.
رابعاً: انتقال قصير يقود إلى انتخابات
من المقترحات المهمة التي طرحتها الورقة تحديد الفترة الانتقالية بين 12 و18 شهراً فقط، وهو طرح يستند إلى قراءة نقدية لتجارب الانتقال الطويلة التي غالباً ما تتحول إلى ساحات صراع سياسي مفتوح.
الفكرة الأساسية هنا هي أن تكون الفترة الانتقالية مرحلة تأسيس عاجلة تمهد الطريق لانتخابات عامة تعيد الشرعية إلى مؤسسات الدولة عبر الإرادة الشعبية.
كما تشير الورقة بوضوح إلى أن بعض المهام الكبرى، مثل تفكيك كامل بنية نظام الإنقاذ ومعالجة آثار انقلاب أكتوبر والح.رب، قد تمتد إلى ما بعد الانتخابات وتكملها السلطة المنتخبة.
خامساً: الشمولية دون إغراق العملية السياسية
تقدم رؤية الحزب تعريفاً عملياً لمفهوم الشمولية السياسية، يقوم على إشراك القوى الوطنية الحية التي تعبر فعلياً عن المجتمع السوداني، مع استبعاد حزب المؤتمر الوطني وواجهاته.
كما تشدد على ضرورة ضمان مشاركة:
النساء
الشباب
الفئات المهمشة
ضمن إطار دستوري يضمن الحقوق ويكرس التداول السلمي للسلطة.
وهذا الطرح يحاول الموازنة بين توسيع قاعدة المشاركة وبين تجنب تحويل العملية السياسية إلى تجمع رمزي واسع بلا تأثير حقيقي.
سادساً: الضمانات وآليات المتابعة
أحد الدروس التي استخلصتها التجربة السياسية السودانية خلال السنوات الماضية هو أن الاتفاقات السياسية كثيراً ما تفشل بسبب غياب الضمانات وآليات التنفيذ.
ولذلك تشدد رؤية الحزب على ضرورة وجود
ضمانات مكتوبة.
آلية متابعة فعالة.
إجراءات واضحة ضد أي طرف يعرقل التنفيذ.
وهو شرط أساسي لتحويل أي اتفاق سياسي من مجرد إعلان نوايا إلى مسار عملي قابل للتنفيذ.
خاتمة
تقدم رؤية حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) لتصميم العملية السياسية محاولة جادة للإسهام في بلورة مخرج سياسي من الأزمة السودانية. وهي رؤية تقوم على عدة مرتكزات أساسية إنهاء الحرب، واستعادة المسار المدني الديمقراطي، وتوحيد المبادرات السياسية، وبناء عملية انتقالية قصيرة تقود إلى انتخابات حرة.
ورغم أن نجاح أي تصور سياسي يظل مرهوناً بإرادة الأطراف المتصارعة وبموازين القوى على الأرض، فإن أهمية هذه الرؤية تكمن في أنها تسعى إلى إعادة النقاش حول مستقبل السودان من منطق الحرب إلى منطق السياسة، ومن إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية وطنية تعيد للدولة تماسكها وللمجتمع أمله في السلام والاستقرار.
وفي زمن تتكاثر فيه المبادرات والبيانات، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الأفكار إلى إرادة وطنية جامعة قادرة على إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام سودان جديد يقوم على الحرية والسلام والعدالة.

Leave a Reply