الحرب فوق الجغرافيا العربية: لماذا تتحول أرض العرب إلى ساحة لصراع الإمبراطوريات؟ (1)

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

في اللحظات التاريخية الكبرى لا تكشف الح.روب عن قوتها العسكرية فحسب، بل تكشف أيضًا عن طبيعة الجغرافيا التي تجري فوقها، وعن القوى التي تسعى للسيطرة عليها. والحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة والكيان الص.هيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين أطراف متصارعة، بل هي تعبير مكثف عن صراع طويل على الجغرافيا العربية نفسها، وعلى ما تختزنه هذه الجغرافيا من ثقل استراتيجي في بنية النظام العالمي.

وقد أشار بيان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي الصادر في العاشر من مارس 2026 إلى هذه الحقيقة بوضوح حين أكد أن المواجهة العسكرية الجارية لا تدور خارج الفضاء العربي، بل تجري فوق أرضه وعلى حساب أمنه القومي وثرواته ومستقبله، وأن الطرف الرابح في هذه المواجهة لن ينكفئ إلى داخله، بل سيسعى إلى توسيع نفوذه في المجال العربي.

هذه الفكرة ليست شعارًا سياسيًا فحسب، بل تعبير عن قانون ثابت في التاريخ والجغرافيا السياسية، (المناطق التي تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية الكبرى تصبح دائمًا مسرحًا لصراع الإمبراطوريات).

منذ قرون طويلة لم يكن الوطن العربي مجرد مساحة جغرافية عادية في العالم. فهو يقع في نقطة التقاء ثلاث قارات كبرى: آسيا وإفريقيا وأوروبا، ويشرف على أهم طرق التجارة البحرية في العالم، كما يحتوي على أكبر احتياطي للطاقة التقليدية في النظام الاقتصادي العالمي.

هذا الموقع الفريد جعل الجغرافيا العربية تتحول إلى ما يشبه (مفصل التاريخ العالمي) فمن يتحكم في هذه المنطقة يستطيع أن يؤثر في حركة التجارة العالمية، وفي تدفق الطاقة، وفي التوازنات السياسية بين القوى الكبرى. ولهذا لم تكن المنطقة العربية في يوم من الأيام خارج حسابات الإمبراطوريات.

لقد فهمت الإمبراطوريات القديمة هذه الحقيقة قبل قرون طويلة. فالصراع على الهلال الخصيب، والسيطرة على مصر، والهيمنة على طرق التجارة في البحر الأحمر والخليج العربي، كلها كانت جزءًا من معادلة السيطرة على العالم القديم. ومع ظهور النظام العالمي الحديث، لم تتغير هذه الحقيقة، بل ازدادت وضوحًا مع اكتشاف النفط وتحول الطاقة إلى عصب الاقتصاد العالمي.

اليوم، يشكل النفط والغاز العربيان أحد الأعمدة الأساسية للنظام الاقتصادي الدولي. فالخليج العربي وحده يحتوي على نسبة كبيرة من احتياطيات النفط العالمية، كما تمر عبر مياهه أهم طرق نقل الطاقة إلى الأسواق العالمية. ويكفي النظر إلى خريطة الممرات البحرية الحيوية لفهم عمق هذه المسألة: مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، كلها عقد استراتيجية في شبكة التجارة العالمية. هذه الممرات ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل شرايين الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب فيها يمكن أن يهز الأسواق الدولية ويؤثر في موازين القوى الاقتصادية. ولذلك فإن السيطرة على هذه الممرات أو ضمان أمنها ظل دائمًا هدفًا رئيسيًا للقوى الكبرى.

ومن هنا يمكن فهم الانتشار العسكري الأمريكي الواسع في المنطقة، وبناء القواعد العسكرية والأساطيل البحرية في الخليج والبحر الأحمر والبحر المتوسط. فهذا الانتشار لم يكن مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة، بل جزء من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إبقاء القرار الاستراتيجي في هذه المنطقة تحت السيطرة. لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه هو: لماذا تجري الحروب في الأرض العربية نفسها، وليس في أراضي القوى المتصارعة؟

الجواب يكمن في طبيعة الصراع الدولي ذاته. فالقوى الكبرى لا تحارب عادة داخل حدودها عندما يتعلق الأمر بالمجالات الحيوية البعيدة عنها، بل تسعى إلى إدارة صراعاتها في مناطق النفوذ أو في المناطق التي تمثل أهمية استراتيجية لمصالحها. وفي هذه الحالة تصبح الجغرافيا العربية مسرحًا للصراع بدلاً من أن تكون طرفًا فيه.

هكذا حدث في العراق بعد عام 2003، حين تحول البلد إلى مركز لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وهكذا حدث في سوريا، حيث تداخلت مشاريع إقليمية ودولية متعددة فوق أرض واحدة. وهكذا يحدث اليوم في المواجهة المتصاعدة في الخليج والبحر الأحمر، حيث تتحول البنى الاقتصادية والممرات البحرية إلى أدوات ضغط في الصراع بين القوى المتنافسة.

غير أن المشهد اليوم لا يقتصر على الإمبراطوريات التقليدية، بل يتداخل فيه صراع القوى الدولية (كالولايات المتحدة) مع مشاريع القوى الإقليمية (كإيران وتركيا وإسرائيل). هذا التداخل بين المستويات يجعل الجغرافيا العربية أكثر تعقيداً، فلم تعد مجرد ساحة للح.رب الباردة القديمة، بل صارت مسرحاً لصراعات متعددة المستويات، تتداخل فيها المصالح العالمية مع المشاريع الإقليمية التوسعية.

إنها في جوهرها حروب تدور فوق أرض العرب لكنها لا تنطلق من إرادة العرب أنفسهم. غير أن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتفسير هذه الظاهرة. فهناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو ما يمكن تسميته بالفراغ الاستراتيجي العربي.

فعندما يغيب المشروع السياسي القادر على توحيد القوة العربية وتنظيمها ضمن رؤية استراتيجية مشتركة، تتحول المنطقة إلى فضاء مفتوح أمام مشاريع الآخرين. ويصبح الصراع بين القوى الدولية والإقليمية هو الذي يحدد مصير الجغرافيا العربية، بدل أن تكون هذه الجغرافيا جزءًا من مشروع عربي مستقل.

هذا الفراغ هو ما أتاح للمشاريع الخارجية، سواء كانت إمبراطورية أو إقليمية، أن تتزاحم فوق المجال العربي وأن تسعى لإعادة تشكيل توازناته بما يخدم مصالحها الخاصة.

ومن هنا تبرز أهمية الفكرة التي طرحها بيان القيادة القومية، والتي تؤكد أن ملء هذا الفراغ لا يمكن أن يتم إلا عبر إطلاق مشروع عربي جامع يعيد بناء منظومة الأمن القومي العربي، ويؤسس لتكامل اقتصادي وسياسي قادر على حماية المصالح العربية.

إن الحرب الدائرة اليوم قد تنتهي بتوازن جديد أو بانتصار أحد الأطراف المتصارعة، لكن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها العرب هي أن الرابح في هذه الحرب لن يتوقف عند حدودها، بل سيسعى إلى توسيع نفوذه في المجال العربي الذي يعتبره مجالًا حيويًا لمصالحه.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه العرب اليوم ليس فقط من سيربح هذه الح.رب، بل سؤال أعمق بكثير: هل سيظل الوطن العربي مجرد ساحة تتصارع فوقها الإمبراطوريات، أم أنه سيستعيد قدرته على أن يكون فاعلًا في التاريخ لا مجرد مسرح لأحداثه؟

يتبع ،،، لطفاً،،،،،

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.