عثمان الحاج عمر
أمين سر قيادة تونس
خمسون سنة أو تكاد قضيتها في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي. بدأت مؤيدًا فنصيرًا، ثم أصبحت عضوًا عاملًا منذ ما يقارب سبعة وأربعين عامًا. نصف قرن من العمر في مدرسة سياسية وفكرية لم تكن بالنسبة لي مجرد إطار تنظيمي، بل كانت تجربة حياة كاملة. ولذلك كنت دائمًا أعتقد أن من حقي، بعد هذه الرحلة الطويلة، أن أرفع صوتي وأقول بثقة: أنا بعثي…
لم يكن هذا الانتماء وليد شعار عابر أو حماسة مؤقتة، بل كان ثمرة مسار طويل من المعايشة والتجربة والاحتكاك برجال صنعوا جزءًا مهمًا من تاريخ الحركة القومية العربية. فقد شاءت الظروف وحظي السعيد، أن أعيش عن قرب مع قامات بعثية تركت أثرها العميق في مسيرتي وفي فهمي للحزب وللنضال القومي. عرفت الشهيد الصادق هيشري عن قرب، والتقيت بالمرحوم فوزي السنوسي، (ورفاق ٱخرون واحد توفي رحمه الله واربعة مازالوا أحياء متعهم الله بالصحة وطول العمر، أعتقد أنهم سيعرفون إنني أقصدهم ) وكانت تلك الصحبة مدرسة حقيقية في معنى الالتزام والانتماء.
في بغداد، خلال أيام قليلة لكنها غنية بالدروس، التقيت بالمرحوم منيف الرزاز وبالمرحوم بدرالدين مدثر والمرحوم إلياس فرح بالخصوص. كما التقيت في طرابلس لبنان بالمرحوم الرافعي وبالمرحوم قاسم سلام. قد تبدو هذه اللقاءات عابرة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها كانت لحظات كثيفة المعنى، لأنها كانت تفتح أمامي بابًا لفهم التجربة البعثية بوصفها تجربة قومية تتجاوز الحدود والقطريات.
لقد تربينا في حزب البعث على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن الرفيق لا يُقاس بقطره، بل بمقدار إخلاصه للفكرة التي يحملها. لذلك لم يكن سؤال “من أي قطر أنت؟” سؤالًا ذا قيمة في ثقافتنا الحزبية. بل إنني، وبحكم عدم بقائي طويلًا في بغداد كما فعل كثير من الرفاق، لم أكن أعلم ولم يكن يعنيني أن أعرف، أن قاسم سلام يمني، ولا أن الياس فرح سوري. لم يكن ذلك يعني شيئًا بالنسبة لنا، لأن الرابط الحقيقي الذي كان يجمعنا هو الفكرة القومية التي تذيب الحدود المصطنعة وتعيد العرب إلى وعيهم بوحدتهم التاريخية والمصيرية.
ولعل أحد أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرتي هو ذلك التبجيل، والاحترام العميق الذي كان يبديه الشهيد صدام حسين للقائد المؤسس ميشيل عفلق. كان صدام رئيس دولة كبيرة وركنًا من أركان النظام الرسمي العربي، بينما كان عفلق مناضلًا مطاردًا بشخصه وبحزبه من قبل نظام قطره. ومع ذلك، كان التقدير الذي يحظى به عفلق يجعلك تشعر وكأن الرجل هو الرئيس الحقيقي، وكأن صدام نفسه يراه رئيسًا لرئيس العراق. كان ذلك درسًا بليغًا في أخلاق الانتماء، وفي المكانة التي يحتلها الفكر والمبدأ فوق الموقع والسلطة.
ومع مرور السنوات، سمحت لي الظروف والعنوان الحزبي في تونس، أن ألتقي برفاق كانوا أعمدة البعث في أقطارهم. وعلى رأسهم الرفيق أبو علي والرفيق أبو زينب والرفيق أبو حمزة… كانوا من أولئك الرجال الذين يتعلم المرء منهم أكثر مما يسمع منهم، لأن تجربتهم كانت مدرسة قائمة بذاتها. ومن خلال الاحتكاك بهم بدأت أجتهد أكثر في التعلم وصقل تجربتي السياسية والتنظيمية.
ولعل ما أستطيع قوله اليوم، بعد هذه السنوات الطويلة، إنني ما زلت أتعلم. بل إنني في هذه المرحلة المتقدمة من العمر أحاول أن أخفي نقائصي — وهي كثيرة — بالقراءة والمعرفة. والحمد لله لم تكن لدي يومًا عقدة تجاه التعلم. فقد وجدت دائمًا في القراءة، سواء للكتب أو المقالات الفكرية والسياسية والاستراتيجية، طريقًا لفهم العالم، وفهم التحولات الكبرى التي تعصف بأمتنا، وفهم الرجال والمناضلين الذين يصنعون الأحداث أو يقاومونها.
غير أن التجربة التي أعادت إليّ شعور البدايات من جديد كانت حضوري وقائع المؤتمر القومي الثالث عشر للحزب. ما خرجت به من تلك التجربة لم يكن مجرد انطباع عابر، بل كان إحساسًا متجددًا بالفخر والاعتزاز بالانتماء إلى هذا الحزب العظيم. فقد رأيت عن قرب قامات بعثية كبيرة في حرصها على الحزب، وفي عمق فهمها للمرحلة، وفي تواضعها وأخلاقها الرفيعة.
من تراثنا السياسي في تونس أننا نستهجن التزلف للمسؤولين والقادة، بل حتى المبالغة في المدح والثناء عليهم. وقد تربينا على شعار بسيط وواضح: لا شكر على واجب… لذلك لا أعتبر ما سأقوله عن الرفيق علي الريح السنهوري مدحًا بقدر ما هو شهادة أجد نفسي مطالبًا بأدائها… أمام الله وأمام الرفاق… ومع ذلك، قد لا أوفي الرفيق حقه، فمعذرة رفيق أبو عزة.
لقد وجدت في الرفيق علي الريح السنهوري، نموذجًا حيًا للبعثي الذي يجمع بين الصلابة الفكرية والنقاء الأخلاقي. رجل متمسك بهوية الحزب تمسكًا صارمًا لا يعرف المساومة، حارس لخطه القومي، شديد الحرص على أن تبقى بوصلة الحزب ثابتة حيث يجب أن تكون.
وهو إلى جانب ذلك جريء في اتخاذ القرار عندما تستدعي اللحظة وضوحًا وحسمًا، يمتلك عقلًا ثاقبًا في قراءة التحولات واستشراف اتجاهات المرحلة، ويجمع بين وضوح الرؤية وهدوء التقدير. ومع الموقع الذي يشغله، يبقى متواضعًا في سلوكه، قريبًا من رفاقه، يصغي للنقاش ويمنح الكلمة حقها.
ولذلك لا يخرج الرفيق من مجالسته إلا بشعور متجدد بأن هذا الحزب ما زال يحتفظ بروحه الأولى، وأن مدرسة البعث ما زالت قادرة على إنجاب رجال أوفياء لفكرتها وأمناء على مسيرتها.
ولهذا كله خرجت من تلك التجربة بإحساس أعمق من مجرد الاعتزاز الحزبي؛ خرجت بيقين متجدد بأن هذا الحزب لم يكن يومًا حزب سلطة عابرة، بل كان — وما يزال — فكرة حيّة في ضمير الأمة. فكرة وُلدت من معاناة العرب ومن توقهم إلى الوحدة والحرية والإشتراكية، ولذلك فإن ما يتعرض له الحزب من محن أو انكسارات لا يمس جوهره، لأن الفكرة التي تنبع من تاريخ الأمة لا تموت.
لقد مرّ حزب البعث بمحطات قاسية، وتعرض لكثير من التشويه والحصار والاستهداف، لكن التجربة علمتني أن الأحزاب التي تقوم على المصلحة تزول بزوالها، أما الأحزاب التي تقوم على الفكرة فتبقى، لأنها تجد جذورها في وجدان الأمة قبل أن تجدها في مؤسساتها وتنظيماتها.
ومن عاش في مدرسة البعث يدرك أن الانتماء إليها ليس بطاقة تنظيمية، بل هو التزام أخلاقي وفكري طويل الأمد. التزام بأن تبقى الأمة حاضرة في الضمير، وأن تبقى الحرية هدفًا، والوحدة أفقًا، والنهضة وعدًا لا يسقط مهما تعثرت الطريق.
ولهذا، وبعد خمسين عامًا من السير في هذه الطريق، وبعد ما رأيت من رجال وما عايشت من تجارب وما تعلمت من دروس، ما زلت أقولها بالثقة نفسها التي صاحبتني في البدايات:
إن البعث بالنسبة لي لم يكن مرحلة في حياتي، بل كان حياة كاملة.
ولهذا أقولها ببساطة وصدق:
أنا بعثي… بل بعثي حتى النخاع

Leave a Reply