هيكل الأجور 2026: “علاوة المفارقات” في مواجهة التضخّم ونُذر الحرب الإقليمية

صحيفة الهدف

محمد شريف

في الخامس والعشرين من فبراير 2026م، أصدر وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، د.جبريل إبراهيم، خطابًا أقرّ فيه تعديلات واسعة على هيكل مرتبات العاملين بالحكومة الاتحادية والمعاشيين. هذا القرار، الذي جاء في توقيت حرج (8 رمضان 1447هـ)، لم يكن مجرد إجراء مالي روتيني، بل مثّل صدمة سوسيولوجية كشفت عن عمق الشرخ في جدار الخدمة المدنية السودانية، وأسّس لما يمكن تسميته بـ “عسكرة الأجر” في مواجهة “مدنية الاحتياج”.
1/ المفارقة الرقمية: عندما يبتلع الغاز الراتب:
إن أولى المفارقات التي يواجهها المحلّل لهذا القرار هي التباين الصارخ بين الأرقام الاسمية والقدرة الشرائية الحقيقية. لقد استحدث القرار ما يسمى بـ “علاوة إزالة المفارقات” بمبلغ مقطوع قدره 120,000 جنيه. وللوهلة الأولى، قد يبدو الرقم إيجابيًا، لكن عند وضعه في سياق “اقتصاد الحرب”، نجد أن هذه العلاوة بالكاد تشتري أسطوانة غاز ونصف، حيث بلغ سعر الأسطوانة (12.5 كجم) مبلغ 79.000 جنيه.
هنا تبرز الفجوة الطبقية الجديدة؛ فالموظّف في أدنى مداخل الخدمة (الدرجة 17) الذي يتقاضى 270.000 جنيه، يجد أن أكثر من 29٪ من دخله يذهب لتأمين وسيلة طهي واحدة. هذا الهيكل يحوّل الموظف العام من “منظم لحياة المجتمع” إلى “باحث عن البقاء”، مما يضعف كفاءة الدولة الإدارية والإنتاجية.
2/ عسكرة الأجور وتآكل الهرم الوظيفي:
تتجلى “المفارقة الكبرى” في التباين بين القطاعين العسكري والمدني؛ فقد اعتمد القرار زيادات مهولة للقوات النظامية، وصلت إلى 120٪ لقوات الشرطة، و118٪ للقوات المسلحة، و113٪ لجهاز المخابرات. هذا التوجّه جعل مرتب “الجندي” (496.000 جنيه) يتفوق على مرتب موظّف “الدرجة الأولى” المدني (420.000 جنيه).
هذا الاختلال ليس ماليًا فحسب، بل هو “اختلال قيمي” بامتياز؛ فالموظّف في الدرجة الأولى، الذي يمثل قمّة الخبرة الإدارية، يجد نفسه يتقاضى أقل من فرد في بداية سلّمه العسكري، مما يؤدي إلى إحباط وظيفي وتآكل في الرغبة في التطور المهني داخل مؤسسات الدولة المدنية.
3/ تحليل المخاطر: التضخّم والمنعطف الجيوسياسي:
تواجه هذه الزيادات مخاطر “التبخّر السريع” بفعل عامل خارجي وعامل داخلي:
أ‌. مخاطر الحرب الإقليمية (أمريكا وإيران): إن المواجهة العسكرية في الخليج ستؤدي فورًا لقفزة عالمية في أسعار النفط وتعطل الملاحة في البحر الأحمر. بالنسبة للسودان، سيعني هذا ارتفاعًا مضاعفًا في أسعار الوقود والسلع المستوردة، مما سيجعل “علاوة المفارقات” (120 ألف جنيه) عاجزة تمامًا عن تغطية فروقات الأسعار الجديدة، مما يعمق الفقر بين العاملين.
ب‌. التضخّم النقدي الممتص: في ظل توقف الإنتاج المحلي بسبب الحرب لثلاث سنوات، فإن ضخ هذه السيولة لزيادة الرواتب سيؤدي حتمًا إلى “تضخّم نقدي”. التجار سيقومون برفع الأسعار استباقيًا، مما يعني أن التضخّم سيمتص هذه الزيادات في غضون أسابيع قليلة، لتعود القوة الشرائية للموظف إلى ما كانت عليه أو أسوأ.
4/ صدمة المعاشيين والبحث العلمي:
لم تكن المفارقة حكرًا على العاملين؛ فاستحداث علاوة منحة بمبلغ 80.000 جنيه للمعاشيين يمثل عجزًا اقتصاديًا، فهي تعادل تقريبًا قيمة أسطوانة غاز واحدة. كما أن اشتراط فك ارتباط الباحثين بأساتذة الجامعات لتنفيذ الزيادات يضع عراقيل إدارية أمام العقل المفكر للدولة في وقت هي أحوج ما تكون فيه للبحث العلمي لمعالجة آثار الحرب.
خاتمة:
إن “علاوة إزالة المفارقات” التي جاءت في خطاب وزير المالية لم تنجح في إزالة الفوارق، بل صنعت “مفارقات” جديدة. السودان اليوم بحاجة إلى هيكل رواتب يراعي “حد الكفاف” الحقيقي، وإلى استراتيجية تحمي هذه الأجور من الانهيار أمام تقلّبات الاقتصاد العالمي ونيران التضخّم المحلي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.