الاقتصاد الأخضر في زمن الحروب

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

في لحظة تاريخية يعلو فيها صوت البيئة والاستدامة، ويكاد العالم يُجمع، نظريًا على الأقل، على ضرورة الانتقال نحو ما يُعرف بالاقتصاد الأخضر، تندلع في المنطقة صراعات كبرى تعيدنا إلى منطق القوة الصلبة، حيث تُهدر الموارد، وتُدمَّر البنية التحتية، وتُستنزف الطبيعة نفسها في مسرح حرب مفتوح. وبين هذين المسارين المتناقضين، مسار حماية الحياة ومسار إدارة الصراع، تتكشف مفارقة عميقة في النظام الدولي المعاصر، وهي مفارقة تعكس التوتر العميق بين منطق التنمية المستدامة ومنطق الجغرافيا السياسية التي ما تزال تحكم العلاقات الدولية.
الاقتصاد الأخضر ليس مجرد شعار بيئي، ولا سياسة تقنية لتحسين كفاءة الطاقة، بل هو في جوهره محاولة فلسفية لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة. فالنموذج الاقتصادي السائد منذ الثورة الصناعية قام على فكرة الهيمنة: استخراج أقصى ما يمكن من الموارد الطبيعية بأقلّ تكلفة ممكنة، وتحويل الطبيعة إلى مخزن مفتوح لخدمة الإنتاج. أما الاقتصاد الأخضر فينطلق من فكرة مغايرة، بأن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بمعدلات النمو، بل بقدرة المجتمع على تحقيق الرفاه دون الإضرار بالنظام البيئي الذي يقوم عليه وجوده.
حيث يعرّف برنامج الأمم المتحدة للبيئة الاقتصاد الأخضر بأنه اقتصاد يؤدي إلى تحسين رفاه الإنسان والعدالة الاجتماعية، مع تقليل المخاطر البيئية والندرة الإيكولوجية. ومن هنا فإن الاقتصاد الأخضر يقوم على ثلاثة أعمدة أساسية: التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة، وإعادة تصميم الأنماط الإنتاجية لتكون أكثر كفاءة، وبناء اقتصاد دائري يقلل الفاقد ويعيد تدوير المواد والطاقة داخل دورة إنتاج مستدامة.
لكن هذه الرؤية، على الرغم من قوتها الأخلاقية والعلمية، لا تتحرك في فراغ. فهي تصطدم بواقع جيوسياسي شديد التعقيد، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية مع موارد الطاقة ومعادلات القوة.
الحرب الدائرة في المنطقة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، تمثّل مثالًا واضحًا على هذا التناقض. فهذه المواجهة، بما تحمله من أبعاد عسكرية وأمنية، ليست مجرد صراع سياسي، بل حدث ذو آثار عميقة على مسار الاقتصاد العالمي، وعلى فرص الانتقال نحو نموذج تنموي أكثر استدامة.
أول هذه الآثار يتعلق بالطاقة. فالمنطقة التي تدور فيها الحرب تمثل أحد أهمّ مراكز إنتاج ونقل النفط والغاز في العالم. وأي اضطراب في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، سواء عبر ارتفاع الأسعار أو زيادة حالة عدم اليقين في الإمدادات. وفي مثل هذه الظروف تميل الدول، خاصة الصناعية الكبرى، إلى العودة إلى مصادر الطاقة التقليدية لضمان أمنها الطاقي، حتى لو كان ذلك على حساب الأهداف البيئية طويلة المدى.
وهنا يظهر التناقض البنيوي بين الاقتصاد الأخضر ومنطق الأمن الاستراتيجي. فالدول حين تشعر بالتهديد لا تفكر أولًا في الانبعاثات الكربونية، بل في تأمين احتياجاتها الحيوية. لذلك فإن الحروب الكبرى غالبًا ما تؤدي إلى إبطاء التحوّل البيئي، لأن الأولوية تتحوّل من الاستدامة إلى البقاء. حيث تؤكِّد دراسة حديثة نُشرت في مجلة Technology in Society (ديسمبر 2025) هذه العلاقة العكسية بين الصراعات والابتكار الأخضر.
فقد وجدت الدراسة، التي حلّلت بيانات 64 دولة على مدى عقدين (2000–2021)، أن الأعباء الأمنية، بما فيها النزاعات المسلحة والإرهاب والإنفاق العسكري، تعيق بشكل كبير الابتكار في مجال التكنولوجيا الخضراء. وتكشف النتائج أن الآثار السلبية تتفاقم في الدول الهشة، حيث يؤدّي هروب رؤوس الأموال البشرية إلى إضعاف القدرة على البحث والتطوير في المجالات البيئية. هذا يعني أن الحرب لا تدمّر البنية التحتية فحسب، بل تستنزف العقول القادرة على بناء البدائل.
الأثر الثاني يتعلق بالبيئة نفسها: فالحروب الحديثة ليست فقط صراعًا بين جيوش، بل عملية تدمير واسعة للبنية التحتية والموارد الطبيعية. القصف وحرائق المنشآت النفطية وتدمير الموانئ والمصانع كلها تؤدي إلى انبعاثات ضخمة من الملوثات، وإلى تلوث التربة والمياه والهواء. وفي مناطق تعاني أصلًا من هشاشة بيئية ومناخية، فإن مثل هذه الأضرار قد تستمر آثارها لعقود طويلة.
والمفارقة أن التحوّل نحو الطاقة النظيفة لا يمثل ضرورة بيئية فحسب، بل ضرورة عسكرية وأمنية أيضًا. فالجيوش الحديثة تدرك أن اعتمادها على الوقود الأحفوري يشكل نقطة ضعف استراتيجية في ساحات القتال. حيث يشير تقرير صادر عن معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (يونيو 2025) إلى أن طاقة الرياح والطاقة الشمسية يمكن أن تعزّز مرونة القواعد العسكرية، وتقلّل الاعتماد على سلاسل إمداد الوقود الطويلة التي تشكّل أهدافًا سهلة.
كما أن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة التي تعمل بالبطاريات أو الأنظمة الكهربائية يبرز كيف بدأت التقنيات منخفضة الكربون تدخل تدريجيًا في التطبيقات العسكرية. ويثبت ذلك أن التحوّل الأخضر لم يعد رفاهية بل ضرورة عملياتية. وهكذا، فإن منطق الحرب نفسه قد يدفع، ولو على مضض، نحو تبنّي حلول أكثر استدامة.
أما الأثر الثالث فهو اقتصادي واجتماعي: فالتحوّل نحو الاقتصاد الأخضر يحتاج إلى استثمارات ضخمة في التكنولوجيا والبنية التحتية والبحث العلمي. لكن الحروب تستنزف الموارد المالية للدول، وتدفعها إلى توجيه الإنفاق نحو المجالات العسكرية والأمنية بدلًا من الاستثمار في التحوّل البيئي. وهكذا يتحول الصراع إلى عامل تأجيل لمشروعات الاستدامة.
وتزداد المفارقة تعقيدًا عندما ننظر إلى سلوك القوى الكبرى نفسها. ففي الوقت الذي تشجّع فيه هذه الدول التحوّل نحو الطاقة النظيفة، فإنها تفرض سياسات حمائية تعيق تدفق تكنولوجيا الطاقة المتجددة بين الدول. وجدت دراسة نُشرت في Energy Economics (إبريل 2025) أن المخاطر الجيوسياسية تعرقل تصدير منتجات تكنولوجيا الطاقة المتجددة، وأن السياسات البيئية نفسها يمكن أن تكون سلاحًا ذا حدين: فالضرائب البيئية تزيد الأعباء على الشركات وتفاقم الآثار السلبية للصراعات، بينما يمكن للإنفاق البيئي أن يخفف من هذه الآثار.
بعبارة أخرى، حتى عندما تتفق الدول نظريًا على أهمية التحوّل الأخضر، فإن منطق التنافس الجيوسياسي يطغى، فيتحوّل ملف البيئة إلى ساحة جديدة من ساحات الصراع. لكن الآثار الأكثر قسوة تطال الدول الأقل قدرة على التحمّل. فقد وجدت دراسة تحليلية عالمية (2025) أن الاقتصادات ذات انبعاثات الكربون المرتفعة ومستويات الدخل المنخفضة تعاني من هشاشة أكبر في العلاقة بين المخاطر الجيوسياسية والنمو الأخضر الشامل. هذه الدول تجد نفسها في مأزق مزدوج: هي في أمس الحاجة إلى التكنولوجيا الخضراء لمواجهة التغيّر المناخي وتحقيق التنمية، لكن الصراعات الإقليمية تعيق وصول هذه التكنولوجيا إليها، وتستنزف مواردها، وتدفع بأدمغتها إلى الهجرة. هكذا تتسع الفجوة بين (شمال) أخضر و(جنوب) يظل رهينة اقتصاد الكربون.
وفي الوطن العربي تتجلى هذه المفارقة بصورة أوضح. فمعظم الاقتصادات الوطنية العربية ما تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على الوقود الأحفوري، سواء في الإنتاج أو في الإيرادات العامة. وفي ظل الصراعات الإقليمية، تتجه الحكومات غالبًا إلى إعطاء الأولوية للاستقرار السياسي والأمني على حساب الاستثمار طويل المدى في التحوّل البيئي. ونتيجة لذلك يبقى الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر في الوطن العربي بطيئًا ومتفاوتًا، رغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها الأقطار العربية في مجالات الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر.
وتقدّم التجربة الأوروبية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا (2022) نموذجًا حيًا على هذه المفارقة. فقبل الحرب، كان الاتحاد الأوروبي يعتمد على روسيا في 30 –40% من احتياجاته من الغاز. وبعد الحرب، وتحت ضغط أمني حقيقي، سارعت أوروبا إلى تسريع تحولها الطاقي. تشير دراسة نشرت في مجلة Renewable Energy (ديسمبر 2025) إلى أن حصّة الطاقة المتجدّدة في ألمانيا وبريطانيا وبولندا بعد الحرب كانت أعلى بشكل ملحوظ مما كانت ستكون عليه في سيناريو لا حرب. وتشير تقارير الطاقة الأوروبية إلى أن إنتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية تجاوز إنتاج الفحم لأول مرة في عدد من الدول الأوروبية بعد 2023.
هكذا، يمكن للحرب، في سياقات معينة، أن تعمل كمحفّز قسري للتحول نحو الاستدامة، حين تدرك الدول أن أمنها الطاقي مرهون بفطامها عن الوقود المستورد.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن الأزمات الجيوسياسية نفسها قد تدفع، على المدى البعيد، إلى تسريع التحوّل نحو الطاقة النظيفة. فكلما زادت هشاشة الاعتماد على النفط والغاز في مناطق الصراع، ازدادت دوافع الدول للبحث عن بدائل أكثر استقلالية وأمانًا، مثل الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر. بمعنى آخر، فإن منطق الحرب قد يكشف حدود النموذج الطاقي القديم، ويدفع العالم، ولو ببطء، نحو نموذج أكثر استدامة.
من هنا فإن العلاقة بين الاقتصاد الأخضر والصراعات الدولية ليست علاقة بسيطة أو خطّية. فهي علاقة مركّبة تجمع بين التعطيل والتحفيز في آن واحد. الحروب تؤخّر التحوّل البيئي لأنها تستنزف الموارد وتعيد ترتيب الأولويات، لكنها في الوقت نفسه تذكر العالم بمدى هشاشة النظام الاقتصادي القائم على الوقود الأحفوري والصراعات حوله.
وفي هذا السياق يبرز سؤال فلسفي أعمق: هل يمكن للاقتصاد الأخضر أن يتحقّق في عالم ما يزال محكومًا بمنطق الصراع الجيوسياسي؟ فالاستدامة ليست فقط مسألة تقنية أو اقتصادية، بل مسألة حضارية تتعلّق بطريقة فهم الإنسان لمكانه في العالم. فإذا استمرت العلاقات الدولية قائمة على الهيمنة والصراع على الموارد، فإن أي مشروع بيئي سيظل محدود التأثير.
بالتالي فإن الاقتصاد الأخضر، في جوهره، دعوة إلى إعادة التفكير في معنى التقدّم نفسه. فالتقدّم الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تدمير الطبيعة أو استنزافها، ولا على تحويل الأرض إلى مسرح دائم للحروب. التنمية المستدامة تحتاج إلى بيئة دولية أكثر تعاونًا، حيث تُدار الموارد باعتبارها ثروة مشتركة للبشرية، لا موضوعًا للصراع.
لكن الواقع يذكّرنا بأن الطريق نحو هذا النموذج ما يزال طويلًا. فالعالم يعيش اليوم في مفترق طرق بين اقتصاد يسعى إلى حماية الحياة، وسياسة ما تزال أسيرة لمنطق القوة. وفي هذه المفارقة يكمن التحدّي الأكبر: فالتحدّي الحقيقي أمام البشرية اليوم ليس فقط بناء اقتصاد أخضر، بل بناء نظام دولي قادر على حماية الحياة نفسها. إذ لا يمكن للاستدامة أن تزدهر في عالم ما تزال الحروب فيه اللغة الأكثر حضورًا في إدارة العلاقات بين الدول.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.