يعد ألفريد إيكيس واحدًا من الباحثين الأمريكيين المتخصصين في التاريخ الاقتصادي المعاصر. فهو أستاذ في جامعة أوهايو، ومن مواليد عام 1945، كما عمل سابقًا عضوًا في لجنة التجارة الدولية الأمريكية خلال فترة رئاسة رونالد ريغان. هذه الخلفية الأكاديمية والعملية انعكست بوضوح في كتابه الاقتصاد العالمي المعاصر، الذي يقدم قراءة تاريخية وتحليلية لتطور الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة.
يتكون الكتاب من أحد عشر فصلًا، يبدأ فيها المؤلف باستعراض الخلفية التاريخية للنظام الاقتصادي العالمي قبل عام 1980. ويعود بالقارئ إلى بدايات القرن العشرين، مرورًا بفترة الكساد الكبير، وانهيار نظام معيار الذهب، والتغيرات التي طرأت على النظام النقدي الدولي، إضافة إلى أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي. هذا الاستعراض يمنح القارئ صورة مركزة عن الأسس التي قام عليها الاقتصاد العالمي قبل الدخول في مرحلة العولمة الحديثة.
ويشرح المؤلف كيف عرف العالم شكلًا مبكرًا من العولمة في مطلع القرن العشرين، عندما كان الاقتصاد الدولي يعمل في ظل معيار الذهب وكانت بريطانيا القوة الاقتصادية المهيمنة آنذاك. غير أن هذا النظام تعرض لانهيار كبير بسبب الكساد العظيم والحربين العالميتين، الأمر الذي دفع الدول إلى الانكفاء داخل حدودها الاقتصادية. ولم تعد العولمة للظهور إلا في مرحلة لاحقة، ولكن هذه المرة في ظل نظام نقدي جديد تقوده الولايات المتحدة.
ومع نهاية الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات، شهد العالم عودة قوية لفكرة العولمة الاقتصادية. فقد اتجهت الدول إلى فتح أسواقها أمام التجارة والاستثمار، وبرزت سياسات تحرير الاقتصاد وتقليص دور الدولة، إضافة إلى موجة واسعة من الخصخصة. في تلك المرحلة أصبح مبدأ السوق الحرة أحد الأعمدة الأساسية للنظام الاقتصادي الدولي، كما جرى تأسيس مؤسسات وتنظيمات دولية لضبط حركة التجارة بين الدول، وعلى رأسها منظمة التجارة العالمية.
لكن هذا النظام لم يكن خاليًا من التوترات. فقد ظهرت نزاعات تجارية عديدة بين الدول، وكان من اللافت أن الولايات المتحدة نفسها كانت أحيانًا طرفًا في هذه النزاعات، بل إن بعض الأحكام الدولية التي صدرت ضدها لم تلتزم بتنفيذها بالكامل، ما أثار نقاشًا واسعًا حول مدى حياد النظام التجاري العالمي.
استمرت الولايات المتحدة في لعب الدور المركزي في الاقتصاد العالمي لسنوات طويلة، خاصة بفضل المكانة الخاصة للدولار. فقد أصبح الدولار العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، وهو ما منح الاقتصاد الأمريكي قدرة كبيرة على التأثير في النظام المالي الدولي. ومع تزايد الطلب العالمي على الدولار، بدا وكأن الولايات المتحدة قادرة على توسيع عرض عملتها دون قيود حقيقية.
غير أن الأزمة المالية العالمية عام 2008 كشفت هشاشة بعض الأسس التي قام عليها هذا النظام. فقد بدأت الأزمة من قطاع الرهن العقاري في الولايات المتحدة، حيث جرى التوسع في منح قروض عقارية لعملاء ذوي قدرة مالية ضعيفة، ثم جرى تحويل هذه الديون إلى أدوات مالية معقدة جرى تداولها في الأسواق العالمية. ومع تعثر عدد كبير من المقترضين عن سداد التزاماتهم، انهارت أسعار الأصول المرتبطة بهذه القروض، وانهارت معها مؤسسات مالية كبرى.
ومن النتائج المهمة التي أعقبت تلك الأزمة ظهور ترتيبات جديدة في إدارة الاقتصاد العالمي. فقد برزت مجموعة العشرين كإطار رئيسي للتنسيق الاقتصادي الدولي، وبدأت قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل تلعب دورًا أكبر في رسم السياسات الاقتصادية العالمية.
كما شهدت تلك الفترة محاولات من بعض الدول لتقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات الدولية، مثل الاجتماعات التي عقدتها دول مجموعة بريك.. ورغم أن الدولار ما زال يشكل الجزء الأكبر من احتياطيات النقد في العالم، فإن نسبته بدأت تتراجع تدريجيًا مقارنة بما كانت عليه في العقود السابقة.
مع ذلك، لا يزال النظام المالي العالمي يعتمد إلى حد كبير على الدولار، ويرجع ذلك جزئيًا إلى غياب بديل واضح قادر على أداء الدور نفسه. فاليورو يمثل خيارًا مهمًا، كما يحتفظ الذهب بمكانته التاريخية، لكن العودة إلى نظام يعتمد على الذهب تبدو غير واقعية في الظروف الحالية.
في النهاية يقدم كتاب إيكيس صورة شاملة لتاريخ النظام الاقتصادي العالمي وتحولاته خلال العقود الأخيرة. كما يساعد القارئ على فهم العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد والسياسة الدولية، إذ إن الصراع على النفوذ الاقتصادي غالبًا ما ينعكس أيضًا في التوترات والصراعات الجيوسياسية.
ولهذا يمكن اعتبار هذا الكتاب مرجعًا مهمًا لكل من يرغب في فهم كيفية تشكل الاقتصاد العالمي المعاصر، وكيف تؤثر الأزمات المالية والتغيرات السياسية في موازين القوة الاقتصادية بين الدول.

Leave a Reply