هل يرمّم الشعر ما مزّقته الحرب؟

صحيفة الهدف

استطلاع: عبد المنعم مختار

في ظل ما يشهده السودان من تشظٍّ وتمزّق وانتهاكات، إلى أي مدى يستطيع الشعر أن يسهم في ترميم الهوية الوطنية المستهدفة بخطاب التجييش والتعبئة للاقتتال العبثي وتداعيات التهجير والنزوح والمنافي والغربة؟
سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح في واقعٍ تتنازعه البنادق وتتقاسمه الجراح. فحين تتصدّع الجغرافيا ويغدو الانتماء نفسه موضع اختبار، يبرز الشعر بوصفه مساحةً بديلةً للتماسك، ووعاءً للذاكرة، وملاذًا للمعنى.
حسن بكري: التكامل بين الأدبي والسياسي ضرورة


الشاعر حسن بكري يرى أن الواقع السوداني اليوم لا يسمح بالفصل بين الأدبي والسياسي؛ فالتكامل بينهما ضرورة تقوم على أرضية وطنية مشتركة. ويؤكد أن الشعر يظل قادرًا على الإسهام رمزيًا ومعنويًا في ترميم الهوية، لكنه لا يكفي وحده. فكما خاطب شعراء مثل محمد المكي إبراهيم ومحجوب شريف ومحمد الحسن سالم حميد وجدان الشعب في لحظات مفصلية، فإن أصواتًا معاصرة مثل أزهري محمد علي تواصل الطريق ذاته. غير أن ترميم الهوية، بحسب بكري، يحتاج كذلك إلى رؤية وطنية وإرادة سياسية وعدالة ومشروع جامع، فيما يظل الشعر شرارة الوعي ومحفز الفعل.

محمد الحاج: الشعر ضوءٌ وشاهدٌ على الجرح


أما الشاعر محمد الحاج فيذهب أبعد من ذلك، إذ يمنح الشعر دورًا أخلاقيًا وجوديًا في زمن العتمة. فالشعر، عنده، ليس ترفًا ولا زخرفة لفائض الوجع، بل هو “الضوء” إن كان ثمة ضوء، وهو الشاهد على الجرح حتى لا يبقى الألم بلا اسم ولا الدم بلا ذاكرة. إنه صوت مضاد للانهيار، وصرخة في وجه النسيان، وحارسٌ للمعنى في زمن انهدام الحوائط. لا يوقف حربًا ولا يُسقط طائرة مسيّرة، لكنه يمنع الإنسان من أن يتحول إلى رقم عابر في نشرات الأخبار. وفي تمزّق الجغرافيا، يصبح الشعر مساحة عصيّة على الاحتلال، ونافذةً مشرعة على طريق العودة، ولو كان مضرجًا بالحنين.

سارة منوفلي: القلم أقوى من الرصاصة


الشاعرة سارة منوفلي تستدعي بدورها التجربة السودانية الخالصة لتؤكد أن “القلم أقوى من الرصاصة”، وأن الحروف أعلى صوتًا من الدانات. تستحضر رمزية حميد والأزهري والقدال بوصفهم من حاربوا دكتاتوريات العتاد والسجون بالكلمة؛ كلمة الحق والصدق والسلام.
فالراصة تقتل مرة، كما تقول، لكن الحرف يحيي ألف مرة، شريطة التمسك بحبل الحب الذي لا انقطاع له. في هذا التصور، يصبح الشعر طاقة إحياء مستدامة، وجسرًا روحيًا يحمل الوطن واقفًا على الكلمات التي تحكي عنه وتصبر عليه.

هيثم الشفيع: سلاح بعيد المدى وتأثير خجول آنيًا


في المقابل، يقدّم الشاعر والقاص هيثم الشفيع رؤية أكثر حذرًا. فهو يعتبر الشعر سلاحًا بعيد المدى، يصل إلى أبعد المسافات ويحقق أثره تدريجيًا عبر الزمان والمكان. غير أن معضلته تكمن في محدودية جمهوره وضعف انتشاره مقارنة بسعة الفوضى والألم. ويرى أن نتاج الحرب من تشرد وتمزق أكبر من أن توقف مدّه قصائد مكتوبة أو جرعات وعي آنية، ما يجعل تأثير الشعر في المدى القصير خجولًا وضعيفًا.
بين هذا التفاؤل الرمزي والتحفظ الواقعي، يتشكل مشهد مركّب: الشعر لا يوقف الحرب، لكنه يحفظ إنسانية من يعيشها؛ لا يبني الدولة، لكنه يصون الذاكرة التي تُبنى عليها الدول؛ لا يرمم الهوية وحده، لكنه يمنعها من التلاشي الكامل.
فهل يكفي أن يكون الشعر حارسًا للمعنى حتى يحين زمن الفعل، أم أن عليه أن يبحث عن أشكال جديدة للحضور والتأثير تتجاوز دائرته التقليدية ليصبح قوةً اجتماعيةً أكثر فاعلية في معركة الهوية؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.