المثقّف التقليدي.. كثيرُ كلامٍ قليلُ فعل

صحيفة الهدف

زكريا نمر

منذ فجر الفكر الإنساني، كان للمثقفين دورٌ مهم في توجيه المجتمع. لكن الحقيقة المُرّة أن كثيرًا منهم مجرد ضحايا لمنظومة تعيد إنتاج نفسها، أو أدواتٍ للسلطة من دون وعي. يعيش بعض هؤلاء في فقاعة الأكاديميات والكتب والمنابر الرسمية، يتحدثون عن المعرفة وكأنها شيءٌ مُجرّد عن الواقع، بينما الواقع من حولهم يصرخ بالظلم والفشل.
فهل المثقف مجرد ناقلٍ للمعرفة، أم شريكٌ في صناعة التغيير؟ السؤال ليس نظريًا فحسب، بل هو واقع نعيشه يوميًا.
المثقف التقليدي يبدو محايدًا، لكنه في الحقيقة جزءٌ من ماكينة تحافظ على الوضع القائم. كلامه جميل على الورق، لكنه، تحت شعار الحياد، يخدم السلطة. يعيد إنتاج الفكر القديم، ويركض وراء التقاليد، ولا يرى الروابط العميقة بين المعرفة والسلطة والمجتمع. تخصّصه ضيّق؛ ينظر إلى العالم من خلال مجاله الأكاديمي فقط، ويغفل الصلات الحيوية بين الفكر والتغيير. ومع مرور الوقت، يتحول إلى حارسٍ للوضع القائم، يعزّز النظام بدلًا من نقده، ويغدو أمينَ أرشيفٍ للسلطة أكثر من كونه فاعلًا حقيقيًا. كثيرُ كلامه، قليلُ فعله.
على النقيض، يظهر مفهوم “المثقف العضوي” كما نظّر له أنطونيو غرامشي؛ وهو المثقف الذي يعيش الواقع وينخرط في صراعات مجتمعه، ويعمل على تطوير وعي الفئات المهمشة. ليس مجرد مفكر، بل فاعلٌ اجتماعي وسياسي. يحلل المشكلات ويبحث عن حلول ملموسة، يفضح الاختلالات ويقترح البدائل. الفكر لديه ليس ثابتًا، بل أداةٌ للتغيير. لا ينتظر المنابر التقليدية، بل يخلق منصاتٍ جديدة للتعبير والتأثير، بعيدًا عن الرقابة والمؤسسات الرسمية. يقف في مواجهة الهيمنة الفكرية، ويصوغ خطابًا مضادًا، ويسهم في خلق وعيٍ قادرٍ على تغيير مسار المجتمعات، ليكون حجر الزاوية في أي حركة تحررية حقيقية.
غير أن الواقع أكثر تعقيدًا من التصنيفات النظرية. فالمثقف التقليدي قد يتحول إلى عضوي إذا انخرط في قضايا مجتمعه، كما أن المثقف العضوي قد ينزلق إلى التقليدية إذا ابتعد عن نبض الشارع وارتهن للمؤسسات الرسمية. ومع ظهور الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح ممكنًا الجمع بين عمق المعرفة الأكاديمية وروح المثقف العضوي، بما يمنح تأثيرًا أوسع وانتشارًا أكبر.
السؤال الأهم اليوم: هل يمكن للمثقف أن يكون محايدًا فعلًا؟
في عالمٍ تمزقه الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لم يعد الحياد خيارًا بريئًا. من يختَر العزلة يفقد تأثيره، ومن ينخرط في الواقع يصبح جزءًا من معادلة التغيير. المعرفة ليست تراكمًا للمعلومات فحسب، بل أداةٌ للتحرر وبناء المستقبل. والمثقف الحقيقي هو من يدرك ذلك، ويسعى، لا إلى تفسير العالم فقط، بل إلى تغييره نحو الأفضل.
* كاتب من جنوب السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.