د.جمال الجاك
حين أطلق الأديب العالمي الطيب صالح صرخته المدوية في وجه التاريخ: “من أين أتى هؤلاء؟”، لم يكن يبحث عن “جغرافيا” المنبت، بل كان يقرع أجراس الخطر أمام “سيكولوجية” غريبة اجتاحت وجدان النيل. كانت صرخة)عبقري الرواية العربية logical Alienation) (التي تصيب النُّخب حين تنفصل عن نبض شعوبها، وهي ذاتها الظاهرة التي تجد تجليّاتها الكونية في مرآة الوحي، وتحديدًا في سورة (هود)؛ سورة الاستقامة في مواجهة الطغيان.
مرايا الاستكبار: من نرجسية النخبة إلى “عناد عاد”
يتأمل الطيب صالح “السادة الجدد” فيراهم مصابين بـ “نرجسية جماعية”؛ لا ينظرون إلى السودان كحضنٍ دافئ، بل كـ “مختبر” بارد لأيديولوجياتهم المتخيلة. هذا الانفصال عن الواقع (Dissociation from Reality) هو ذاته الذي سطّرته سورة (هود) في قصص الأقوام الغابرة. فحين كانت الأيديولوجيا تحجب عنهم رؤية آلام الناس، كان التنافر المعرفي يخلق لهم واقعًا موازيًا يظنون فيه أنهم يحسنون صنعًا.
إن عبارة “الزارعنا غير الله يجي يقلعنا”، التي تردّدت في فضاء السياسة السودانية، لم تكن سوى صدىً تاريخي لغطرسة “عاد” قديمة حين قالوا: “من أشدّ منّا قوّة؟”. هو الاستكبار الذي يحوّل السلطة من أداة للبناء إلى أداة لـ”التسكين القسري”، حيث تشبه الخرطوم في نظر صالح “طفلة يُنيمونها عنوة”، في علاقة سادية لا تسعى للنمو، بل لفرض صمت الموتى باسم “الأمن المستتب”.
نسيجٌ مُمزق: هل أرضعتهم الأمهات والعمات؟
بقلبٍ يقطر وجعًا، تساءل صالح: “أما أرضعتهم الأمهات والعمات؟”؛ سؤالٌ يضرب في عمق التنشئة الاجتماعية. فكيف لمن نهل من مديح “حاج الماحي” وشجن “الكابلي” وتسامح الصوفية أن يكون غليظ القلب؟
هنا نكتشف حجم “غسيل الدماغ الثقافي” الذي مارسه النظام، مستبدلًا الوجدان السوداني الرقيق بهوية مشوّهة عابرة للحدود. هذا التمزّق هو ما تسميه السوسيولوجيا “هدم رأس المال الاجتماعي”، حيث يتحوّل الوطن من “ملاذ آمن” إلى “منفى داخلي”. وفي سورة هود، نجد أن الفساد لم يكن يومًا مجرد “بخسٍ للمكيال” كما في قصة شعيب، بل هو فسادٌ يطال “ميزان الأخلاق”؛ فحين تضيع حقوق الإنسان، ينهار السقف فوق رؤوس الجميع.
بين مكر “التمكين” وطهارة “الاستقامة”.
لقد كان الطيب صالح فقيهًا بجماليات الروح، لذا أدرك بعبقريته أن الأزمة ليست سياسية فحسب، بل هي أزمة أخلاقية عملياتية. انتقد “التديّن الشكلي” الذي يحوّل الدين من “رحمة للعالمين” إلى “أداة للتمكين”.
سورة هود تضعنا أمام الحقيقة العارية: الحضارات لا تسقط لضعفها المادي، بل لأنها تُسيء استخدام قوتها. إن “بيوت الأشباح”، والقبور الجماعية، والقرى المحروقة في دارفور وجبال النوبة، لم تكن “أخطاءً معزولة”، بل كانت نمطًا متراكمًا من الإنكار والاستكبار. وكما عقر “ثمود” الناقة تحديًا للآية البينة، عقر هؤلاء روح الوطن باسم “المشروع الرسالي”، متناسين أن مقاصد الشريعة تضع “حفظ النفس” فوق “حفظ الكراسي”.
الخاتمة: استعادة الروح السودانية
إن صرخة الطيب صالح لم تكن مجرد رثاء لمرحلة، بل هي “منيفستو” إنساني يحذر من وصول “الكائنات الأيديولوجية” إلى سدة الحكم؛ أولئك الذين يحبّون “الفكرة” ويكرهون “الإنسان”.
اليوم، والسودان يمر بمنعطفه التاريخي الأخطر، يظل سؤال صالح قائمًا: ليس بحثًا عن أصل، بل دعوة لاستعادة روح. إن النجاة في سورة هود لم تكن امتيازًا عرقيًا، بل كانت طوق نجاة للذين “استقاموا” حين اضطربت الموازين.
إن السودان الذي نرجوه ليس وطن الغلبة لفئة، بل وطن العدالة والقانون؛ الوطن الذي لا “يذبح الخيل ليبقي العربات”، بل الذي يؤمن بأن النهضة لا تقوم على إماتة الأرض، بل على إحياء الإنسان. فهل نتعلم من سنن التاريخ، أم ننتظر “صيحة” أخرى تعيد تكرار المأساة؟.

Leave a Reply