الأحواز: العقدة التي تمنع الغرب من التخلي عن إيران

صحيفة الهدف

رسول حرداني الأحوازي

ليست الأحواز تفصيلًا هامشيًا في الجغرافيا الإيرانية، ولا ملفًا ثانويًا في حسابات القوى الكبرى، بل هي العقدة المركزية التي تفسّر لماذا يصرّ الغرب على إبقاء إيران موحّدة رغم فشلها البنيوي، وقمعها الممنهج، وتهديدها المستمر للاستقرار الإقليمي. من دون الأحواز، تفقد إيران معناها الوظيفي، ومع الأحواز تبقى دولة قابلة للاستخدام والابتزاز.

الأحواز هي القلب الاقتصادي الحقيقي لإيران. النفط والغاز والموانئ والممرات المائية، كلها متركّزة في أرض عربية محتلة تُدار بالقوة. لهذا السبب تحديدًا، لا يرى الغرب في إيران “دولة قومية” بقدر ما يراها حاوية موارد يجب ضبطها عبر مركز واحد يمكن التفاوض معه أو الضغط عليه. قيام كيان أحوازي مستقل يعني خروج أهم ورقة طاقة من معادلة السيطرة، وهذا ما لا يريده الغرب حتى اللحظة.

لكن المسألة لا تتوقف عند الطاقة. الأحواز تكشف كذبة “الدولة الوطنية الإيرانية”. الاعتراف بحق الأحواز يعني الاعتراف بأن إيران دولة ضمّ قسري، وأن بقية القوميات ليست أقليات مهاجرة بل شعوب أصلية. هذا الاعتراف يفتح الباب أمام سلسلة مطالب تحرر في البلوشستان وكردستان وأذربيجان الجنوبية، ويحوّل إيران من دولة “قائمة” إلى ملف تفكيك. الغرب، الذي يخشى إعادة رسم الخرائط خارج إرادته، يفضّل الإبقاء على كيان مأزوم يمكن التحكم به بدل إطلاق ديناميات تحرر لا يضمن نتائجها.

لهذا يُترك النظام الإيراني ليقمع الأحواز بلا مساءلة حقيقية. الإعدامات، التجفيف، التغيير الديمغرافي، محو اللغة—كلها انت.هاكات موثّقة، لكنها تُدار بصمت دولي. ليس لأن الغرب يجهل، بل لأنه يوازن بين الأخلاق والمصلحة، فيختار المصلحة. الأحواز تُضحّى بها كي تبقى إيران “مفيدة”.

الأحواز أيضًا هي الحدّ الذي لا يريد الغرب تجاوزه في صراعه مع طهران. تُفرض عقوبات، تُدار مفاوضات، تُطلق تهديدات، لكن لا يُسمح بالمساس بوحدة الدولة. لماذا؟ لأن أي تصدع حقيقي يبدأ من الأحواز، وأي استقلال أحوازي يعني نهاية الدور الوظيفي لإيران كحاجز جغرافي، وفزاعة إقليمية، وسوق سلاح دائم.

هنا تتضح المفارقة: النظام الإيراني يبتزّ الغرب بالأزمات، والغرب يبتزّ النظام بشرعية البقاء. وبين الابتزازين، يُسحق شعب الأحواز. كل طرف يعرف أن الآخر لن يذهب إلى النهاية، لأن النهاية تمرّ عبر الأحواز.

الغرب لا يحافظ على إيران حبًا فيها، بل خوفًا مما بعدِها. وما بعد إيران الموحّدة يعني دولًا نابعة من إرادة شعوبها، لا من خرائط المصالح. يعني نفطًا خارج منظومة الابتزاز، وجغرافيا بلا “دولة حاجز”، ومعادلة جديدة لا تُدار من عاصمة واحدة.

لهذا ستبقى الأحواز الهدف الأكثر قمعًا، والملف الأكثر تهميشًا، لأنها المفتاح. وحين يُفتح هذا الباب—سواء بإرادة الشعب أو بتغيّر ميزان الكلفة—سيتغيّر كل شيء. عندها فقط سيتحوّل السؤال من “لماذا لا يتخلى الغرب عن إيران؟” إلى “لماذا تأخر الاعتراف بحق الأحواز كل هذا الوقت؟”

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.