لماذا تأخّرت الرواية السودانية عن سرد وجعها الكبير؟

صحيفة الهدف

تقرير: عبد المنعم مختار

كثيرًا ما تتحوّل التجارب السياسية القاسية في المجتمعات العربية إلى مشاريع سردية كبرى، حيث يجد الألم الجماعي طريقه إلى الرواية بوصفها ذاكرةً موازية للتاريخ الرسمي، وأكثر قدرةً على تفكيك التحوّلات العميقة التي تعجز اللغة السياسية عن احتوائها.
وقد شهدت الرواية العربية نماذج بارزة نجحت في تمثيل الصدمة السياسية والاجتماعية، كما فعل عبد الرحمن منيف في (مدن الملح)، أو نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة، أو واسيني الأعرج في اشتغاله على جراح الذاكرة الجزائرية.
غير أن التجربة السودانية، بما تنطوي عليه من حروبٍ طويلة، وانقساماتٍ حادّة، وأسئلة هويةٍ مركّبة، ما تزال تطرح سؤالًا ملحًّا: لماذا لم تتحوّل هذه التجربة القاسية إلى مشروع روائي عربي واسع الحضور والانتشار؟
في هذا الاستطلاع، نستعرض آراء ثلاثة من الكتّاب والنقاد السودانيين، في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، وكشف العوامل التي أعاقت تشكّل “الرواية السودانية الكبرى”..
عبد الله رزق: التجربة لم تُلهم السرد الروائي بعد


يرى الصحافي والناقد عبد الله رزق أن التجارب السياسية في السودان، نسبيًا، لم تكن ملهمة أو قاسية بالقدر الذي شهدته بعض بلدان أمريكا اللاتينية أو مناطق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي تجارب أنتجت سرديات روائية كبرى.
ويشير إلى أن المبدعين السودانيين في مجال السرد اتجهوا، منذ ستينيات القرن الماضي، بشكلٍ ملحوظ إلى القصة القصيرة، حيث برزت معظم الأسماء اللامعة في هذا الجنس الأدبي تحديدًا.
ولا يستبعد رزق وجود أعمال روائية أُنجزت لكنها غطاها النسيان، أو تجاهلها النقد، أو لم تحظَ بالاهتمام الكافي، باستثناء أعمال قليلة مثل شوق الدرويش لحمور زيادة، وطائر الشؤم لفرانسيس دينق مجوك.
ويخلص إلى أن مجال الرواية السياسية في السودان ما يزال بكرًا، وأن الأمر يرتبط بدرجةٍ كبيرة بوعي الكاتب، وعيه السياسي على وجه الخصوص، فضلًا عن ميل القاص، بطبيعته، إلى النأي عن عوالم السياسة وتعقيداتها.

أشرف مبارك: العوامل البنيوية والرقابة والمنفى


يذهب القاص والناقد د.أشرف مبارك إلى أن غياب مشروع روائي سوداني واسع الحضور لا يعود إلى فقر التجربة، بل إلى أسبابٍ متداخلة أعاقت تشكّل هذا المشروع وانتشاره عربيًا.
ويعدّد من بين هذه الأسباب الرقابة القاسية خلال الفترات الشمولية، وما ترتّب عليها من نفيٍ قسري لكثير من الكتّاب، الأمر الذي قطع صلتهم بالجمهور السوداني والعربي على السواء.
كما يشير إلى ضعف بنية النشر والتوزيع مقارنة بمراكز النشر العربية الكبرى، وتهميش السودان في المخيال الثقافي العربي بوصفه هامشًا عربيًا إفريقيًا، إضافةً إلى أثر الحروب المستمرة، والفقر، والنزوح، في إضعاف قاعدة القراءة وإعاقة الإنتاج الأدبي المستدام.
ولا يغفل مبارك الخصوصية اللغوية والأسلوبية في الرواية السودانية، التي تمزج الفصحى بالعناصر المحلية والإفريقية، ما يجعل بعض النصوص أقل جاذبية للقارئ العربي العام.
ومع ذلك، يؤكد أن أعمالًا بارزة قدّمت سرديات عميقة، مثل (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، وأعمال حمور زيادة، وعبد العزيز بركة ساكن، وأمير تاج السر، وليلى أبو العلا، معتبرًا أن “الرواية السودانية الكبرى” ليست غائبة بقدر ما هي متأخرة أو مشتّتة الاعتراف، وأن التحوّلات التي أعقبت ثورة 2018، مع الفضاء الرقمي واتساع النشر والترجمة، قد تفتح أفقًا جديدًا لانتشارها.

هيثم الشفيع: المشاريع وُئدت قبل أن ترى النور


يطرح القاص والشاعر هيثم الشفيع سؤالًا مغايرًا: لماذا لم ينتشر المشروع الروائي لأولئك الذين حاولوا بالفعل تمثيل هذا الألم الإنساني العميق؟ ويؤكد الشفيع أن هناك محاولاتٍ عديدة سعت إلى نقل مآسي الحروب الأهلية، وتجارب القمع السياسي، وبيوت الأشباح في عهود الديكتاتوريات، لكنها لم تجد حظها من النشر والانتشار.
ويرى هيثم أن السبب الرئيسي يعود إلى القبضة الحديدية للأنظمة الحاكمة التي وقعت في ظلها هذه المآسي، وعلى رأسها تجربة حكم الإسلامويين التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، وما مارسته من قهرٍ ومنعٍ وحظر، خاصة في سنواتها الأولى. ويعتبر أن هذه السياسات أدّت إلى وأد كثير من المشاريع الروائية في مهدها، بل وإجهاض بعضها قبل أن يولد، فضلًا عن صعوبة وغلاء تكاليف النشر، ما دفع أغلب الكتّاب إلى اللجوء إلى وسائط التواصل الاجتماعي، حيث يظل الانتشار، في رأيه، رهين الحظ والصدفة أكثر من كونه نتاجًا لمشروع ثقافي مؤسسي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.