بين وهم (النهايات) وواقع (الاكتئاب): هل نعيش الحقيقة أم نتبع السراب؟

صحيفة الهدف

نزيهة البكري

في الآونة الأخيرة، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة عارمة من الفيديوهات التي تروّج لنهاية العالم؛ من نبوءات ظهور (المسيح الدجال)، إلى سيناريوهات سيطرة الذكاء الاصطناعي، ونظريات المؤامرة حول (الماسونية) والفضائيين، وصولاً إلى الفرضيات العلمية المرعبة حول انفجار الشمس وابتلاعها للكون.

لستُ هنا بصدد تأكيد هذه الادعاءات أو تفنيدها، لكننا نعيش في واقع يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، في عالم متسارع تسوده الحيرة وعدم الاستقرار، إلى درجة جعلت البعض يتساءل: هل نعيش واقعنا فعلاً؟ أم أننا مجرد شخوص في حكايات تخص عالماً آخر، بينما نغطّ نحن في سبات عميق؟

وسط هذه الضغوط التي تلاحقنا في مختلف مراحل حياتنا، بات من الطبيعي أن نجد أنفسنا يوماً ما في فوهة (الاكتئاب)، سواء كان ذلك نتيجة الإفراط في التفكير، أو بسبب الأعباء المعيشية الخانقة.

لذا، دعوني أقول لكم: “اكتئبوا”.. ولكن بحذر.

اكتئبوا، ولكن تذكروا أننا نعيش في عالم يضج بالأكاذيب؛ فعقولنا تقع تحت تأثير التضليل الرقمي، مما يفرض علينا التريّث وإعمال العقل بدلاً من الركض خلف السراب.

اكتئبوا، ولكن أدركوا أن الاكتئاب حالة عابرة؛ تعاملوا معها بوعي، اعتنوا بأنفسكم، واسمحوا لمن يهتم لأمركم أن يمدّ لكم يد العون.

اكتئبوا، ولكن لا تستسلموا للموجة، ولا تمنحوا (السوشيال ميديا) كل وقتكم؛ فالتعمّق في سيناريوهات (النهايات) والصور المثالية الزائفة، وربطها بآلامنا الشخصية، لا يفعل شيئاً سوى مضاعفة الألم.

اكتئبوا، ولكن تيقّنوا أن الروح تحتاج إلى العناية والقرب من الخالق، وأن الجسد يحتاج إلى الراحة، وأن العقل يتطلب الوعي الكافي ليستقر.

نعم، قد يبدو كل شيء من حولنا وكأنه يدفع نحو نهاية مؤسفة، لكن تذكروا دائماً أن النهايات يصيغها أصحابها، وليست رهينة للظروف أو للوعي الجمعي.

في نهاية المطاف، معركتنا الحقيقية ليست مع أهوال الكون، بل مع العتمة التي تتسلل إلى أرواحنا؛ فلا نُسلّم واقعنا لسيناريوهات الرعب، ولا نجعل من اكتئابنا زنزانة، بل محطة استراحة لمحارب يجمع شتات نفسه.

إن الشمس التي يجب أن نخشى انطفاءها هي تلك التي تشرق من أعماقنا؛ فالعالم لم ينتهِ بعد، وحياتنا نصنعها بوعينا وإيماننا، لا بما تمليه علينا الشاشات الباردة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.