طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
مقدمة
حين نتحدث عن التعليم، نفكر غالبًا في بناء الإنسان: عقله، مهاراته، ومستقبله المهني. لكننا ننسى أن هذا الإنسان يعيش في عالم حيّ؛ أرض تتنفس، ومياه تجري، وأشجار تمنح الحياة بصمت. من هنا تبرز أهمية ما يُعرف اليوم بـ(التعليم الأخضر).
التعليم الأخضر ليس مادة جديدة تُضاف إلى الجدول المدرسي، ولا نشاطًا جانبيًا في حصة العلوم، بل هو طريقة مختلفة للنظر إلى المعرفة كلّها. فنقرأ التاريخ من زاوية علاقة الإنسان بالطبيعة، ونفهم الاقتصاد بوصفه أسلوب تعاملنا مع موارد الأرض، وننظر إلى الأخلاق باعتبارها مسؤولية تجاه كل ما يحيط بنا من كائنات حيّة.
أولًا: التعليم البيئي وسدّ الفجوة بين القلق والمعرفة
تشير تقارير اليونسكو إلى أن أكثر من 80% من الشباب حول العالم يشعرون بقلق حقيقي تجاه التغير المناخي، لكن أقل من 20% فقط يشعرون بأن لديهم المعرفة الكافية للتصرف. هذه الفجوة بين الإحساس بالخطر والعجز عن الفعل هي ما يجب أن يعالجه التعليم البيئي.
ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، إذا استمرت أنماط الاستهلاك الحالية، فسيحتاج البشر إلى ما يعادل 2.3 كوكب أرض بحلول عام 2050 لتلبية احتياجاتهم. هذا الرقم لا ينبغي قراءته كإحصائية باردة، بل كمؤشر واضح على أن نمط حياتنا الحالي غير قابل للاستمرار.
ثانيًا: من الفصل الدراسي إلى الحياة اليومية
يبدأ التعليم الأخضر مبكرًا، ويتدرج مع عمر الطالب:
– في رياض الأطفال: يمكن أن تتحول الحديقة المدرسية إلى مساحة يتعرّف فيها الطفل على دورة حياة النبات، ويتعلّم العناية بالكائنات الصغيرة.
– في المرحلة الابتدائية: من خلال القصص والأنشطة التي تربط بين سلوكيات بسيطة، مثل إهدار الماء أو الورق، وبين أثرها على البيئة.
– في المرحلتين المتوسطة والثانوية:
1/ في الرياضيات: يمكن حساب البصمة الكربونية للأسرة.
2/ في العلوم: دراسة أثر الملوِّثات على البيئة المحلية.
3/ في الدراسات الاجتماعية: فهم الصراعات المرتبطة بالموارد الطبيعية عبر التاريخ.
وقد أشار تقرير اليونسكو لرصد التعليم (2020) إلى أن الدول التي دمجت مفاهيم الاستدامة عبر مختلف المواد الدراسية، وليس كمادة منفصلة، شهدت زيادة ملحوظة في السلوكيات البيئية الإيجابية لدى الطلاب.
ثالثًا: الجامعات كنماذج حيّة للاستدامة
لا يكفي أن تُدرّس الجامعات مفهوم الاستدامة، بل ينبغي أن تطبّقه في ممارساتها اليومية. فعلى سبيل المثال، خفّضت الجامعة الأمريكية في بيروت استهلاك الطاقة بشكل كبير بعد تحديث أنظمتها، وأصبح الحرم الجامعي نفسه مساحة تعليمية حيّة. كما تعتمد جامعة ستانفورد بشكل شبه كامل على مصادر الطاقة المتجددة، ودمجت الاستدامة في أغلب تخصصاتها.
في مثل هذه التجارب، لا يتعلّم الطالب المفهوم نظريًا فقط، بل يراه واقعًا يوميًا يعيشه.
رابعًا: ماذا تقول الدراسات؟
أظهرت دراسات طويلة المدى نُشرت في مجلات متخصصة في التعليم البيئي أن الطلاب الذين تلقوا تعليمًا بيئيًا منهجيًا كانوا أكثر مشاركة في الأنشطة البيئية التطوعية، وأقل استهلاكًا للطاقة في منازلهم، وأكثر اهتمامًا بالقضايا البيئية في مواقفهم العامة.
وفي اليابان، وبعد إدخال التعليم البيئي بشكل إلزامي، انخفضت النفايات المنزلية للفرد بشكل ملحوظ خلال سنوات قليلة. أما في كوستاريكا، فقد ارتبط الاهتمام التعليمي بالاستدامة بزيادة كبيرة في الغطاء الحرجي خلال العقود الماضية.
خامسًا: التحديات والفرص
رغم هذه النماذج الإيجابية، لا تزال نسبة كبيرة من الدول لا تدمج مفاهيم الاستدامة بوضوح في أهدافها التعليمية. كما يبقى التحدي الأكبر هو تحويل المعرفة إلى سلوك يومي. ومع ذلك، تبرز فرص مهمة، من بينها:
– انتشار التعليم الرقمي، الذي يسهّل الوصول إلى هذه المفاهيم على نطاق واسع.
– الاهتمام المتزايد لدى الشباب بالقضايا البيئية، وهو ما يشكّل أرضية خصبة لأي تغيير تربوي حقيقي.
خاتمة: التعليم كمسؤولية أخلاقية تجاه الأرض
التعليم الأخضر، في جوهره، ليس مجرد معلومات عن إعادة التدوير أو ترشيد الاستهلاك، بل هو تغيير في طريقة نظر الإنسان إلى نفسه وإلى العالم من حوله. إنه انتقال من عقلية الاستهلاك إلى عقلية الشراكة مع الطبيعة.
حين نعلّم أبناءنا احترام البيئة، فإننا لا نمنحهم معرفة إضافية فحسب، بل نغرس فيهم إحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه الحياة نفسها. وكأن كل فكرة بيئية يتعلمونها هي شجرة نزرعها في مستقبلهم. فنحن لسنا منفصلين عن هذا الكوكب، بل جزءٌ منه، والتعليم الأخضر يذكّرنا بهذه الحقيقة البسيطة والعميقة في آنٍ واحد.

Leave a Reply