ماجد الغوث
بينما تنشغل منصات التواصل الاجتماعي بضجيج تلك (التريندات) الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وبينما تشتد وطأة الصراع العبثي على الكراسي والحزبية الضيقة التي أوردتنا الموارد، يغفل الكثيرون عن حقيقة مريرة، حقيقة تصفعنا كل يوم: أننا نمتلك وطنًا ينام حرفياً على كنوزٍ كفيلة بأن تجعله في مصاف الدول العظمى، لكننا، وللأسف، نذبحه بدم بارد بسكين الإهمال واللامبالاة. إن اقتصاد السيادة الحقيقي، ذاك الذي نحلم به، لا يُصنع في أروقة السياسة المظلمة فحسب، بل يولد من رحم الأرض المعطاءة، وينمو هناك.. تحت المحراث.
ثروة معطّلة وإرادة مفقودة
السودان، وبملء الفم نقولها، ليس بلدًا فقيرًا أبدًا، بل هو بلدٌ “مُفقَر” بفعل فاعل، وبسبب سوء الإدارة المزمن. نحن نمتلك ميزة تنافسية نادرة الوجود، وهي تلك القدرة العجيبة على الإنتاج طوال العام؛ عبر ذلك التكامل الفريد بين الزراعة المروية والزراعة المطرية. هذا التنوع المذهل يعني شيئاً واحداً: أن عجلة الإنتاج في هذا السودان لا ينبغي لها أن تتوقف أبدًا.. أليس كذلك؟ فهذه هي القاعدة الأساسية، واللبنة الأولى لبناء أي اقتصاد وطني مقاوم للأزمات والاهتزازات.
مطمع العالم وملاذ الأمن الغذائي
العالم من حولنا اليوم يعيش أزمة غذاء حقيقية وخانقة، وهو يرى في أراضينا السودانية “الملاذ الآمن” والأخير. الأنظار العالمية كلها تترقب، وبحذر، لحظة استقرار السودان لتضخ استثماراتها المليارية. لكن، وهنا تكمن العقدة، هذا الاهتمام الاقتصادي لن يتحول إلى واقع نلمسه في جيوبنا إلا بوجود الأمن والاستقرار أولاً. فالمستثمر، أي مستثمر، يبحث عن بيئة آمنة تضمن ماله، وضياع الأمن في بلادنا يعني ببساطة ضياع أعظم فرصة تاريخية لتقوية الجنيه السوداني وانتشال اقتصادنا من هاوية الانهيار السحيقة ومن ذل الارتهان للخارج.
الدائرة الذهبية: زراعةٌ تقود الرعي
تكمن العبقرية الاقتصادية في السودان في ذلك الارتباط “العضوي” والوجداني بين الحقل والحيوان. فالزراعة هي التي توفّر الأعلاف التي تطوّر قطاع الرعي المنسي، وهي التي تجعل من لحومنا وألباننا علامة عالمية مميّزة لا تُنافس. هذا التكامل تحديداً هو ما يخلق اقتصادًا ريفيًا مستقرًا، ويوفّر ملايين فرص العمل الحقيقية للشباب الضائع، ويحوّل السودان، أخيراً، من “مستهلكٍ للمساعدات” وفتات الموائد إلى “مُصدِّرٍ أصيل للأمن الغذائي” للعالم أجمع.
الصمغ العربي.. الذهب المُهمَل
تخيلوا أن السودان ينتج وحده نحو 86% من الإنتاج العالمي للصمغ العربي! هذه السلعة الاستراتيجية التي يلهث خلفها العالم، لو وجدت فقط ذلك الاستقرار المنشود والتصنيع التحويلي الذكي بدلًا من تصديرها “خامًا” بأبخس الأثمان، لكانت وحدها، وأكرر وحدها، كفيلة بموازنة كفة ميزاننا التجاري المائل وانتشال الملايين من أبناء شعبنا من براثن الفقر والفاقة.
رسالة إلى الباحثين عن الكراسي
آن الأوان، بل فات الأوان تقريباً، ليدرك القائمون على أمر هذه البلاد أن الكنوز مدفونة هناك.. في باطن الأرض والتراب، لا في أروقة السياسة والمكايدات. فاستمرار الانشغال بالحروب لا يفعل شيئاً سوى طرد الاستثمار وقتل الأمل في النفوس. والأمن الذي نطالب به ليس مجرد غيابٍ لطلقات الرصاص، بل هو تلك الأرضية الصلبة التي يقوم عليها الازدهار وتُصان بها كرامة السيادة.
العودة إلى الجذور
المخرج الوحيد، والمؤكد، هو العودة إلى الأرض. تجاهلوا تلك التفاهة التي تملأ الفضاء، ووجّهوا أنظاركم وقلوبكم نحو الإنتاج، وطالبوا بالأمن كحق لبناء الوطن. فالأرض، كما جربنا دوماً، لا تخون من يزرعها، واقتصاد الأرض هو وحده الذي سيبني سودان المستقبل الذي نتمناه.
#ملف_الهدف_الاقتصادي #صحيفة_الهدف #السودان #اقتصاد_الأرض #السيادة_الوطنية #الزراعة_والرعي #الصمغ_العربي #لا_للحـ.رب

Leave a Reply