عزة الشفيع صابر
في كل منعطف سياسي حاسم يمر به السودان، تطل غرف الفلول والكيزان المظلمة برأسها، لتمارس هوايتها القديمة المتجددة في صياغة الأكاذيب وفبركة التهم. ولم يكن مستغرباً أن تنصب هذه المنصات شباك تشويهها حول مواقف حزب البعث العربي الاشتراكي؛ فالتاريخ يعيد نفسه، والنهج التحرري القومي والصلابة المبدئية في مواجهة الاستراتيجيات الأجنبية والتقسيمية، كانا دوماً الصخرة التي تتحطم عليها مؤامراتهم.
تتجلى حنكة القيادة السياسية هنا في ذكاء وعبقرية المنبر الافتراضي والإعلامي الرصين الذي اختاره المهندس عادل خلف الله ليطل من خلاله؛ فمن بريق ومنبر “الهدف”، قذف بالحقائق الدامغة ليفند سيل الشائعات والاتهامات المجانية ويهزمها رغم الميزانيات الضخمة المخصصة لعمليات الفبركة الكيزانية وتشويه كل ما هو جميل ومقدس ومحترم في حياة السودانيين.. فهم أعداء للقيم والجمال أينما كانوا.
لقد كان اختيار “الهدف” اختياراً ذكياً وموجهاً، سحق به مراد معدي الدعاية المغرضة الذين حاولوا إقحام اسم “الهدف” زوراً كمرجع لفبركاتهم لإضفاء لبوس مهني زائف على تقريرهم الاستقصائي المزعوم. ومن خلال هذا الاختيار الذكي، قطع خلف الله الطريق أمام المنصات المشبوهة، وجعل المعركة تُدار على أرضية وطنية صلبة وبأدوات مواجهة واعية وضعت غرف التزييف في مأزق العجز الكامل.
لكن المثير في المعركة الأخيرة ليس حجم الفبركة التي روجت لها تلك الغرف المأجورة (مثل صحيفتي العودة وجسور نيوز) يوم الجمعة الموافق 15 مايو لعام 2026، بل الطريقة الاحترافية والهدوء الملتزم والمنهجية الصارمة التي واجه بها الناطق الرسمي باسم الحزب، المهندس عادل خلف الله، سيل الاستهداف. إذ لم ينزلق إلى مربع المهاترات التي دوماً ما يخططون لجر الآخرين إليها، بل تعامل برصانة وعقلانية سياسية، كشفتا للرأي العام رقي اللغة واحترام المنبر، وقبل ذلك احترام عقل القارئ، ثم كشف زيف تلك الواجهات التي يحركها النظام البائد، والتي ما تزال تخدم، بوعي وقصد وتعمد، المحاور التي تسعى لتفتيت ما تبقى من وحدة البلاد عبر تفجير حـ.ـرب 15 أبريل الكارثية كملاذ أخير للفلول لإعاقة تفكيك ركائز التمكين واسترداد المال العام.
وفي تفاصيل هذا المشهد، تتبدى عظمة البعث المتأصلة في ثقة الرفيق المطلقة في رفيقه أو رفاقه؛ وهي ثقة لم تأتِ من فراغ، بل نتاج تربية حزبية تنظيمية صارمة وصادقة، تجعل البعثي فخوراً برفاقه وخلفياتهم ومواقفهم النضالية.
لقد تجسدت هذه المفاهيم بوضوح في ثقة خلف الله اللامحدودة في رفاقه الذين تطرق لهم في متن الحوار (وجدي صالح، صديق تاور، عبد الرحمن نور الدائم، يوسف الضي، محمد ضياء الدين)، وثقته الكاملة في صونهم للمال العام وعفتهم عنه؛ مقدماً إياهم كأعظم نموذج للتجرد الوطني والنزاهة في تاريخ العمل العام.
فالأنموذج البعثي ظل محصناً بالقيم؛ حيث يحكي التاريخ المعاصر بوضوح عن عدم تسنّم أي بعثي أو بعثية لموقع أو مسؤولية في أي صيغة من صيغ العمل العام، سواء كانت نقابات أو اتحادات أو تحالفات سياسية، ترتبط بإدارة منصب مالي، وذلك نابع من الحساسية التنظيمية والأخلاقية البالغة والمفرطة للبعثيين تجاه المال العام ونزاهة اليد.
الجمال الحقيقي والهدوء الواثق الذي “حرق” به خلف الله إمكانيات البعث بدا مدهشاً وهو يتطرق لأكثر القضايا سرية وأخطر الملفات لارتباطها بوجوده وفاعليته ونشاطه وحياته كحزب، فكان أن كشف عن استناد البعث إلى “منجم لا ينضب” من اشتراكات العضوية، وتبرعاتها، وتضحيات البعثيين الذين تحملوا نفقات سفرهم وإقامتهم بأنفسهم صوناً لاستقلاليتهم الفكرية والسياسية منذ التأسيس في نيسان 1947م.
إن الأهمية البالغة لإفادات المهندس عادل خلف الله لا تكمن في نفي التهم فحسب، بل في المنهجية المعيارية الرصينة التي اتبعها لتفكيك عقلية الشائعة ووضع إجاباته كقواعد مرجعية للتصدي للدعاية السوداء، وتتلخص معالم هذا المنهج فيما يلي:
– إعمال نظرية “الإسقاط النفسي”، حيث غاص خلف الله في التحليل النفسي السياسي للفلول؛ مبيناً أن فرية “الإمبراطورية المالية” وتزوير الإرادة ما هي إلا محاولة بائسة لتعميم نموذجهم الفاسد وإسقاطه على الآخرين. فالفلول الذين اشتهروا بشراء الولاءات بـ”أموال التجنيب” وتزوير انتخاباتهم حتى بعد “المفاصلة الشهيرة عام 1999″، يحاولون بوعي بائس إقناع أنفسهم بأن الجميع يشبههم، متناسين الفارق النوعي والجذري مع حزب الرسالة الخالدة.
– المواجهة المادية بالحقائق الدامغة، وهنا سحق خلف الله الفبركات بالواقع الملموس. ففرية “التنسيق السري مع الد-عم السريع لتسييل الأصول” نسفها بذكر حقيقة مادية، وهي أن صلات البعث بالد-عم السريع بُترت صبيحة انقلاب 25 أكتوبر 2021، بل وحتى مع كل المكونات العسكرية للفترة الانتقالية، كاشفاً أن خروج شخصية قومية مهمة على مستوى الوطن العربي، أي الأمين العام الأستاذ علي الريح السنهوري، تم علانية وبشكل رسمي عبر مطار بورتسودان تلبيةً لدعوة مصرية رسمية. وليت الفلول يعلمون حجم العناد والرفض اللذين قابل بهما السنهوري محاولات الحزب، بل والقيادة القومية، إقناعه بالخروج وإصرارهم عليه، وتمسكه بعدم المغادرة حتى اطمئنانه إلى خروج كل رفاقه من مواقع القصف إلى المناطق الأكثر أمناً واستقراراً. ليتهم يعلمون كيف ظل السنهوري، وهو الرجل كبير السن والمقام، يصبر على شح مياه الشرب وغيرها من الخدمات، شأنه شأن بقية أبناء شعبنا الصامدين، حتى صدر قرار المؤسسات بخروجه استجابةً لمهام وتكاليف كان أثرها بالغاً في محاولات توحيد الجبهة السياسية، وما نيروبي إلا النزر اليسير.
– الاحتكام إلى البناء الهيكلي والقانوني في دحض خلف الله لشائعات التمكين الموازي داخل لجنة إزالة التمكين، حيث استخدم المنهج القانوني المؤسسي؛ سارداً طبيعة تكوين اللجنة التي تضم ممثلين عن كافة أجهزة الدولة السيادية (القوات المسلحة، الشرطة، الجمارك، المالية، المراجع القومي)، وموضحاً أن قراراتها جماعية، وأن حدود أعمالها تنتهي قانوناً عند أسوار “وزارة المالية” التي تتسلم المستردات، مما يجعل فرية إدارة الحزب للشركات أو احتكاره لـ”سيرفرات داتا سيادية” مستحيلة بنيوياً وقانونياً.
– التأصيل التاريخي ومبدأ السيرورة النضالية، وهنا تجلت عبقرية الناطق الرسمي المخضرم والخبير، فأعاد خلف الله ربط الهجوم الحالي بجذوره التاريخية، موضحاً أن استهداف رمزية الأمين العام ليس وليد اليوم، بل بدأ منذ عام 1947، وتكرر في محاكمة جريدة “الراية” الشهيرة في الديمقراطية الثالثة، حين أدانتها المحكمة كقاعدة إعلامية تؤسس لفلسفة “كذبة تلد أخرى”. هذا التأصيل يفقد الشائعة عنصر المفاجأة والإثارة، ويحولها إلى مجرد “بضاعة كاسدة مُعادة التدوير”.
– تحويل الهجوم إلى دليل نجاح، فوفق قانون الطبيعة السياسي (لكل فعل رد فعل)، تعامل خلف الله مع الحملة المسعورة باعتبارها دليلاً قاطعاً على نجاح المؤتمر القومي الثالث عشر، والانزعاج الشديد للفلول وقوى الردة من تمكن الحزب من عقده بمشاركة كافة الأقطار العربية في ظل أحلك الظروف المالية والسياسية، فجاءت فبركاتهم بمنطق “خالف تُذكر” لتثبت عافية البعث وتنامي تأثيره.
إن القيمة الحقيقية في حديث خلف الله تمثلت في قدرته على النفاذ إلى عمق القضايا الحساسة؛ تلك الملفات المعقدة التي كانت تُثار همساً في الغرف المغلقة وتتناولها الألسن بحذر وخوف، أخرجها إلى السطح بهدوء يُحسد عليه. تحدث عنها بجرأة سياسية منطلقة من موقف وطني واثق، واضعاً النقاط على الحروف دون مواربة أو تجميل؛ ففكك أكذوبة “ملايين صدام حسين” المستهلكة منذ عام 1990، كاشفاً الخبث الأمني وراءها، والذي حاول سابقاً دمغ انتفاضة 28 رمضان العسكرية المجيدة بأنها مدعومة من الخارج لتبرير جريمة تصفية قادتها الشرفاء ودفنهم أحياء.
كما أعاد خلف الله إلى الأذهان “ضربة المعلم” التي وجهها الرفيق وجدي صالح لآلة التضليل؛ حين روجوا لفرية هروبه وإعلانه متهماً هارباً، فما كان منه إلا أن ذهب بنفسه في موكب مهيب إلى قسم شرطة الخرطوم شمال، لتنتهي المؤامرة بعجزهم عن تقديم أي حيثيات أو محاكمة وتبرئته تحت الضغط الجماهيري، مما أكد كيدية البلاغات المسعورة التي تهدف فقط إلى كسر رمزية تفكيك التمكين وإرهاب الشرفاء.
وفي لفتة فكرية عميقة، صحح خلف الله المصطلحات التي حاولت الفبركة الإعلامية تمريرها حول وجود انقسام أجيال أو بروز “جيل تكنوقراط” داخل الحزب، مؤكداً الانسجام والوحدة العضوية في التجربة النضالية للبعث. فلا توجد تصنيفات تقسم الحزب إلى أجيال، بل صيرورة نضالية تهدف إلى خلق “الجيل الجديد” الذي تنضج فيه الهوية الأخلاقية لحزب الرسالة؛ الجيل الذي يحقق الانقلاب على واقع التخلف والأنانية، ويؤمن بقيم التضحية والإيثار بأن يكون “أول من يضحي وآخر من يستفيد”، وهو ما يفسر الطابع الثوري المستمر للحزب واعتماده على طاقات الشباب والطلاب والعمال الكادحين.
لم ينس خلف الله لفت الانتباه إلى أن محاولات الكيزان البائسة لشيطنة مبادئ انتفاضة ديسمبر المجيدة، وتصويرها مجرد جسر لتمكين حزبي جديد لإضعاف جبهة الحراك الجماهيري على قاعدة (فرق تسد)، انتهت إلى الفشل؛ لأن المنطق والهدوء الثوري اللذين واجه بهما عادل خلف الله تلك الحملات، وبأدوات إعلامية ذكية، أثبتا أن الوعي الجماهيري أقوى من غرف الفلول، وأن التاريخ لا يصنعه المرجفون.
لقد تحصن البعثيون والشعب السوداني بمضادات حيوية من الوعي والثقة المستمدة من مبادئ الحزب ونزاهة قياداته، لتبقى هذه الهجمة الشرسة مؤشراً لتصاعد نضال البعث والتمسك بأولوياته الوطنية التي يتقدمها وقف هذه الحـ.ـرب العبثية المدمرة، وإشاعة السلام، والعبور بالبلاد نحو دولة مدنية ديمقراطية مستدامة على قاعدة المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، ولنا ولكم في خطاب السنهوري بنيروبي أسوة حسنة.
#صحيفة_الهدف #السودان #عادل_خلف_الله #حزب_البعث_العربي_الاشتراكي #تفكيك_الأكاذيب #غرف_الفلول #الوعي_الثوري #السيادة_الوطنية #النزاهة_البعثية #المال_العام #المؤتمر_القومي_الثالث_عشر #لا_للحرب #تفكيك_التمكين #البعث_صوت_الشعب #الحقيقة_في_مواجهة_التضليل #فلس_طين #أمة_عربية_واحدة

Leave a Reply