قلم : أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
ليس التعليم ترفًا معرفيًا، ولا مهارةً تقنية تُكتسب لتلبية سوق العمل فحسب، بل هو في جوهره فعلٌ تحرّريّ، وأداةُ وعيٍ، وبوابةُ الإنسان الأولى للخروج من حالة التبعية إلى أفق الفعل والتاريخ. فالتعليم، في التجربة الإنسانية، لم يكن يومًا محايدًا؛ إما أن يكون في صفّ التحرر وبناء الإنسان، أو في خدمة التبعية وإعادة إنتاج الخضوع. ومن هنا، تأتي رمزية 24 يناير – اليوم العالمي للتعليم، لا بوصفه مناسبة احتفالية عابرة، بل لحظة تأمل في سؤال أعمق: أي تعليم نريد؟ ولأي إنسان؟ ولأي أمة؟
في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث تتضاعف المعرفة كل بضع سنوات، يغدو السؤال عن دور التعليم أكثر إلحاحاً. هل نستمر في نماذج تعليمية صممت للقرن التاسع عشر، أم نعيد تخيل التعليم كفعل تحرري يتجاوز نقل المعلومات إلى بناء الإنسان القادر على الابتكار والقيادة في عالم متغير؟
التعليم الحقيقي لا يبدأ من تراكم المعلومات، بل من تحرير العقل. فالأمم لا تُقاس بعدد مدارسها أو جامعاتها فقط، بل بقدرتها على إنتاج إنسانٍ واعٍ، ناقد، قادر على الفهم والاختيار والمساءلة. وحيثما تحوّل التعليم إلى تلقينٍ أعمى، أو إلى أداة لإعادة إنتاج الخضوع، فقد وظيفته الحضارية، حتى لو ارتدى أثواب الحداثة. ولهذا، كان التعليم عبر التاريخ هو الخط الفاصل بين مجتمعٍ يُقاد، ومجتمعٍ يقود؛ بين أمةٍ تُستَخدم، وأمةٍ تصنع موقعها في العالم.
لم يكن صدفة أن تبدأ الرسالة الإسلامية بكلمة )اقرأ( فالمعرفة في الرؤية السماوية ليست امتيازًا نخبويًا، بل تكليفٌ أخلاقي. التعليم في جوهره فعل عبادة، لأنه يرتبط بإعمار الأرض، وإقامة العدل، وتحرير الإنسان من الجهل والخوف. وفي هذا المعنى، فإن الرسالات السماوية لم تفصل يومًا بين الإيمان والعقل، ولا بين العقيدة والمعرفة، بل جعلت التعليم أساسًا للاستخلاف، وشرطًا لتحقق الكرامة الإنسانية. فالجهل لم يكن مجرد نقص في المعرفة، بل مدخلًا للاستبداد، وتحريف الدين، واستباحة الإنسان.
في السياق العربي، يكتسب التعليم بُعدًا إضافيًا؛ إذ لا يمكن فصله عن سؤال الهوية والنهضة. فالأمة العربية لم تدخل أزمتها الراهنة لأنها تفتقر إلى الموارد، بل لأنها عانت طويلًا من تعليمٍ مفصول عن مشروعها الحضاري، تعليمٍ يدرّس التاريخ بلا روح، واللغة بلا هوية، والعلوم بلا رسالة. فالتعليم القومي ليس تعليمًا منغلقًا أو شوفينيًا، بل تعليم:
1. يُعيد وصل الإنسان بتاريخه دون تقديس أعمى،
2. ويمنحه أدوات العصر دون ذوبان،
3. ويجعله واعيًا بذاته، منفتحًا على الإنسانية.
فلا نهضة بلا وعي قومي، ولا وعي قومي بلا تعليم يعيد الاعتبار للغة، وللذاكرة، وللسؤال الحضاري الكبير: من نحن؟ وإلى أين نذهب؟
ولا يعني انتماء التعليم القومي إلى هويته ورسالته أن ينغلق على معطيات العصر أو يتخلف عن مهاراته. فالتعليم الذي نريده لأمتنا يجب أن يزاوج بحكمة بين عمق الانتماء وأفق العصر، بين ثوابت الهوية ومتغيرات المستقبل. وهو ما يتطلب إدماج مهارات القرن الحادي والعشرين – من التفكير النقدي إلى الإبداع وحل المشكلات والتعاون عبر الثقافات – في صلب العملية التعليمية، لا كمهارات تقنية محايدة، بل كأدوات تمكن الإنسان العربي من فهم عالمه المعقد، والمساهمة في بنائه، والحوار مع الآخر من موقع القوة الحضارية والثقة بالنفس.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن للتعليم القومي أن ينجح إن لم يكن إنسانيًا في جوهره. فالتعليم الذي يُنتج كراهية، أو يُغذي الإقصاء، أو يُبرر العنف، هو تعليم ناقص مهما كانت شعاراته. الإنسانية ليست نقيض القومية، بل أفقها الأخلاقي.
فالأمة التي تعلّم أبناءها احترام الإنسان، والعدل، والحرية، هي أمةٌ قادرة على الحوار مع العالم من موقع الندّية، لا التبعية. وهنا، يصبح التعليم جسرًا بين الخصوصية الحضارية والانتماء الإنساني العام.
كل مشاريع التحرر الكبرى بدأت من المدرسة قبل الميدان، ومن الكتاب قبل البندقية. فالاحتلال، بأشكاله المختلفة، لا يخشى السلاح بقدر ما يخشى العقل الحر. ولذلك، كان استهداف التعليم في وطننا العربي مقصودًا: إفراغه من مضمونه، ومن ثم تحويله إلى شهادات بلا وعي، وإلى مهارات بلا انتماء. إن معركة الأمة اليوم ليست فقط معركة حدود، بل معركة وعي، والتعليم هو ساحة هذه المعركة الأولى.
وإذا كان هذا البعد النظري للتعليم واضحًا، فإن تجلياته الأكثر حدة تظهر في مناطق الصراع الوجودي، حيث لا يعود التعليم شأنًا تربويًا، بل مسألة بقاء.
في فلسطين والأحواز، لا يمكن فصل التعليم عن معركة الوجود ذاتها. فهنا لا يُستهدف الإنسان فقط في أرضه، بل في ذاكرته ولغته وسرديته التاريخية. التعليم في هذين الموقعين لم يكن يومًا نشاطًا محايدًا، بل كان دائمًا فعل مقاومة صامتة. فحين يُمنع المنهج، ويُشوَّه التاريخ، وتُحاصر اللغة العربية، يصبح الصف الدراسي ساحة اشتباك حضاري، ويغدو الكتاب أداة دفاع عن الهوية لا تقل شأنًا عن أي وسيلة أخرى.
في فلسطين، ظل التعليم أحد أعمدة الصمود الوطني، حافظ على الرواية العربية في وجه مشروع الإلغاء الص.هيوني، وربط الأجيال بتاريخها وحقها، رغم الق.تل والحصار والتجريف. وفي الأحواز، حيث تسعى الهيمنة الفارسية إلى طمس اللغة العربية وتجفيف الوعي القومي، يتحول التعليم إلى معركة بقاء ثقافي، يُدافع فيها الإنسان عن اسمه، ولسانه، وانتمائه. وهكذا، يتجلّى التعليم هنا بوصفه رسالة تحرر ووفاء للذات الجماعية، لا مجرد عملية تربوية.
أما في العراق، قبل الغزو الأمريكي وما تلاه من احتلال وتفكيك، فقد شكّل التعليم أحد أعمدة الدولة الوطنية الحديثة، وأداة مركزية في بناء الإنسان والمجتمع. كان التعليم مجانيًا، شاملًا، ومتاحًا على امتداد الجغرافيا، وربط بين المعرفة العلمية والوعي القومي، وأسهم في تكوين طبقة واسعة من الكفاءات في الطب والهندسة والعلوم والآداب. ولم يكن التعليم معزولًا عن مشروع الدولة، بل جزءًا من رؤيتها للسيادة والتنمية والاستقلال.
لقد أُريد للتعليم في العراق أن يكون جسرًا بين الانتماء القومي والانفتاح الإنساني، وأن يخلق مواطنًا واثقًا بذاته، معتزًا بهويته، وقادرًا على الإسهام في الحضارة المعاصرة. ولذلك، لم يكن استهداف التعليم بعد الاحتلال عرضيًا، بل كان مقصودًا: تدمير الجامعات، اغتيال العقول، تفكيك المناهج، وتحويل المعرفة إلى سلعة أو أداة طائفية. فهدم التعليم كان جزءًا من هدم الدولة، لأن من يسيطر على العقل، يسيطر على المستقبل.
وفي المقابل، ليست كل التجارب العربية على ذات المنوال السلبي. فهناك بذور إصلاح وبصمات نجاح تستحق التوقف عندها، وإن كانت جزئية ولم تكتمل رؤيتها بعد. فتجارب مثل محاولات الإمارات في دمج الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة في التعليم، وجهود المغرب في إصلاح المنظومة التربوية عبر الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، ومبادرات الأردن الرائدة في التعليم العلاجي وتعليم اللاجئين، تُظهر أن الإصلاح ممكن عندما يتوفر عنصرا الإرادة والرؤية الاستراتيجية الواضحة. هذه التجارب، رغم انتقاداتها وتحدياتها، تثبت أن الأمة العربية قادرة على اجتراح نموذجها التعليمي عندما تحدد أولوياتها وتستثمر في الإنسان باعتباره الرأسمال الحقيقي.
في هذا السياق، يمكن التمييز بوضوح بين نموذجين متقابلين في التجربة العربية المعاصرة: التعليم المقاوم والتعليم المُفكَّك. فالتعليم المقاوم، كما في فلسطين والأحواز وبعض تجارب الدولة الوطنية قبل تفكيكها، ينطلق من وعي بأن المعرفة ليست محايدة، وأن المدرسة ليست مؤسسة تقنية، بل فضاء لتكوين الوعي وحماية الهوية وبناء الإرادة الجماعية. إنه تعليم يُربّي على الانتماء، ويمنح التاريخ معناه، ويجعل اللغة أداة تحرر لا مجرد وسيلة تواصل.
في المقابل، يشهد الوطن العربي اليوم تفككًا ممنهجًا للتعليم، حيث تُفرَّغ المناهج من بعدها القومي والإنساني، وتُستبدل المعرفة النقدية بتلقين استهلاكي، ويُعاد إنتاج الإنسان كفرد معزول عن تاريخه وقضاياه. هذا التعليم المُفكَّك لا يُنتج وعيًا، بل يكرّس القابلية للاستتباع، ويهيئ المجتمعات للانقسام الطائفي والعرقي، ويحوّل المدرسة من فضاء للتحرر إلى أداة لإعادة إنتاج العجز. وهنا، لا يكون الفشل التعليمي عرضًا إداريًا، بل نتيجة سياسية–حضارية لمشروع تفكيك الأمة من داخلها.
من هذا المنظور، لا يمكن فصل التعليم عن الرسالة الخالدة للأمة العربية، التي لا تُفهم بوصفها شعارًا عقائديًا، بل كمشروع حضاري متجدد، قوامه الإنسان الواعي، والحر، والمنتمي. فالتعليم، في جوهره، هو الأداة التي تنتقل بها الرسالة من جيل إلى جيل، لا كنص محفوظ، بل كوعي حيّ وقدرة على الفعل. وكلما انقطع التعليم عن هذه الرسالة، تحوّل إلى وظيفة بلا معنى، وكلما اتصل بها، أصبح فعلًا تحرريًا بامتياز.
إن استهداف التعليم في فلسطين، والأحواز، والعراق، وسائر الأقطار العربية، ليس إلا استهدافًا مباشرًا للرسالة الخالدة ذاتها، لأنها تعبّر عن وحدة الأمة العربية في الوعي قبل الجغرافيا، وفي الثقافة قبل السياسة. ومن هنا، فإن الدفاع عن التعليم ليس مهمة قطاعية، بل هو دفاع عن معنى العروبة، وعن حق الأمة العربية في الاستمرار كفاعل حضاري في التاريخ. ففي فكر النهضة القومية، لا يُنظر إلى التعليم كأداة لإدارة الواقع القائم، بل كوسيلة لتغييره. بالتالي التعليم المرتبط بالرسالة الخالدة هو تعليم:
1. يؤمن بالإنسان،
2. ويثق بقدرة الأمة على النهوض،
3. ويرى في المعرفة طريقًا للتحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية.
بالتالي إن الرسالة الخالدة ليست شعارًا يُرفع، بل مشروعًا يُبنى، والتعليم هو حجره الأساس.
من هذا الفهم للتعليم بوصفه معركة وعي ورسالة تحرر، تنطلق الرؤية البعثية إلى التعليم بوصفه ركيزة أساسية في مشروعه القومي–التحرري، لا باعتباره خدمة اجتماعية فحسب، بل باعتباره عملية بناء الإنسان العربي الجديد. فوفق النظرية البعثية، لا تتحقق الوحدة ولا الاشتراكية ولا التحرر دون وعي علمي، وقومي، وأخلاقي متكامل. والتعليم، في هذا السياق، ليس حياديًا بين الاستعمار والتحرر، ولا بين التجزئة والوحدة، بل منحاز بالضرورة لمصالح الأمة العربية وتقدمها.
ويقوم التعليم في الرؤية البعثية على الربط بين العقل العلمي والوجدان القومي، وبين المعرفة الحديثة والانتماء الحضاري، وبين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية. فهو تعليم يُحرّر الإنسان من الجهل والخرافة، كما يُحرّره من التبعية والاستلاب، ويمنحه القدرة على فهم واقعه وتغييره. ومن هنا، فإن أزمة التعليم في الوطن العربي ليست أزمة مناهج فقط، بل أزمة مشروع، ولا يمكن تجاوزها إلا بإعادة وصل التعليم برؤية قومية إنسانية واضحة، تجعل من المدرسة والجامعة فضاءً لإنتاج الوعي لا استهلاكه.
ولتحويل هذه الرؤية التحررية للتعليم من خطاب فلسفي إلى واقع معيش، نحتاج إلى ترجمة عملية تقوم على عدة أركان أساسية:
1. مناهج تربط بين الأصالة والمعاصرة، تتأسس على الهوية ولا تنغلق عليها، تدرس التراث بنظرة نقدية وتستقبل الحديث بوعي انتقادي، وتجعل من الطالب باحثاً عن المعرفة لا مستقبلاً سلبيًا لها.
2. المعلم المحرِّر، الذي لا يقتصر دوره على نقل المعلومات، بل يكون محرضاً فكرياً، ومرشداً أخلاقياً، وقدوة في التساؤل والنقد والالتزام. وهذا يتطلب برامج إعداد وتدريب مختلفة جذرياً عما هو سائد.
3. بيئة تعلم محفزة، تتحول فيها المدرسة والجامعة من فضاءات للتلقين إلى ورشات دائمة للحوار والبحث والتجريب، تشجع المخاطرة الفكرية وتتقبل الاختلاف وتُعلي من شأن السؤال على الجواب الجاهز.
4. شراكة مجتمعية حقيقية، حيث لا تنفصل المؤسسة التعليمية عن محيطها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، بل تكون مركز إشعاع فيه، وتستفيد من خبراته، وتساهم في حل إشكالياته.
بهذه الركائز، يتحول التعليم من أداة لإعادة إنتاج الواقع إلى قوة دافعة لتغييره، ومن خدمة اجتماعية تُدار إلى مشروع تحرري يُبنى.
خاتمة: في اليوم العالمي للتعليم، لا نحتاج إلى خطبٍ احتفالية بقدر ما نحتاج إلى مراجعة جذرية: هل نعلّم أبناءنا كيف يعيشون بكرامة؟ هل نزرع فيهم الوعي، أم ندرّبهم على التكيف مع الهشاشة؟ هل نعدّهم ليكونوا أحرارًا، أم مجرد موظفين في عالمٍ لا يرحم؟ إن التعليم، حين يستعيد رسالته الإنسانية والقومية معًا، يصبح فعل خلاص، وحين يفقدها، يتحول إلى أداة إدامة للأزمة. ومن هنا، فإن النهوض لا يبدأ من القمة، بل من الفصل الدراسي، ومن السؤال الأول الذي يوقظ العقل: لماذا؟ ومن هنا، فإن الدفاع عن التعليم ليس مهمة وزارات فقط، بل مسؤولية كل مثقف ومناضل ومربٍّ يرى في الوعي شرطًا للتحرر، وفي المدرسة ساحة نضال لا تقل شأنًا عن أي ميدان آخر.

Leave a Reply