سلوى أبسام (المحامية)
العدالة من منظور حقوق الإنسان: إطار لا يترك النساء خلفه
في السودان، لا تُختبر العدالة في النصوص وحدها، بل في الخيام المؤقتة، وفي طرق النزوح الطويلة، وفي صمت نساء فقدن الأمان قبل أن يفقدن الثقة في القانون. ففي ظل النزاعات وتدهور الأوضاع الاقتصادية، تصبح النساء أول من يدفع ثمن غياب العدالة، وآخر من يصل إليها.
ليس وصول النساء إلى العدالة مسألة امتياز، بل حق أساسي من حقوق الإنسان. ومع ذلك، لا تزال كثير من النساء يواجهن عوائق قانونية ومؤسسية واجتماعية تمنعهن من إنصاف عادل. هنا يبرز النهج القائم على حقوق الإنسان كإطار لا يكتفي بالاعتراف بالحقوق، بل يطالب بتحويلها إلى واقع ملموس.
في كثير من الأحيان، لا تخسر النساء حقهن في العدالة داخل قاعة المحكمة فقط، بل قبل ذلك بكثير: عند باب مركز الشرطة، أو خلف مكتب موظف لا يرى في قضيتهن أولوية. هنا تحديداً، يصبح الحديث عن العدالة من منظور حقوق الإنسان ضرورة اجتماعية، لا شعاراً نخبويًا. ففي مجتمعات أنهكها الفقر والنزاعات، تواجه النساء واقعاً شديد التعقيد، لذا لا يمكن فصل الحديث عن العدالة عن النهج القائم على حقوق الإنسان، بوصفه إطاراً يضع حماية النساء ضمن مسؤولية الدولة والمجتمع معاً.
نتناول العدالة من منظور حقوق الإنسان من خلال ثلاثة محاور:
أولاً: النهج القائم على حقوق الإنسان… لماذا هو مهم للنساء؟ النهج القائم على حقوق الإنسان ينظر إلى النساء باعتبارهن صاحبات حقوق لا مجرد مستفيدات من خدمات. هذا النهج يُلزم الدولة باحترام حقوق النساء وحمايتها وتنفيذها، وينقل قضية النساء من خانة “المشكلات الاجتماعية” إلى التزامات قانونية، ويركز على معالجة أسباب التمييز لا نتائجه فقط.
فعندما تتقدم امرأة بشكوى عنف أسري، ويُطلب منها “العودة إلى البيت وحل المشكلة ودياً”، أو تُقابل بالتقليل والتأجيل، فهذا ليس خطأ فردياً، بل مؤشر على غياب نهج يرى في كرامة المرأة وحقها في الأمان التزاماً على الدولة غير قابل للتفاوض. إن النهج الحقوقي ينقل النساء من موقع الضعف إلى موقع الحق، ويُلزم مؤسسات الدولة بحمايتهن، لا تركهن وحدهن في مواجهة العنف أو التمييز.
ثانياً: المبادئ الأساسية… قواعد العدالة التي تحمي النساء يرتكز النهج الحقوقي على مبادئ واضحة تجعل العدالة أكثر إنصافاً للنساء، وهي أدوات عملية لتحسين الوصول للعدالة:
-
المساواة وعدم التمييز: لا عدالة حقيقية دون مساواة ترفض التمييز على أساس الجنس، سواء في القوانين أو الممارسة. في سوق العمل، تواجه نساء التمييز أو الفصل بسبب الحمل والزواج؛ وهنا تعني المساواة تدخل الدولة لضمان العمل الكريم والحماية الاجتماعية. وفي مخيمات النزوح، تواجه النساء تمييزاً مضاعفاً بسبب الفقر والمكان، والعدالة هنا تعني توزيع الحماية والموارد بشكل منصف.
-
المشاركة: للنساء الحق في المشاركة في صياغة القوانين والسياسات التي تمس حياتهن. عندما تُصاغ قوانين الأحوال الشخصية أو العمل دون إشراك النساء المتأثرات بها، تأتي النتائج منقوصة. إشراك النساء، خصوصاً في الريف ومناطق النزاع، في قرارات الإغاثة وإعادة الإعمار والمصالحات، هو شرط لسلام اجتماعي مستدام.
-
المساءلة: هي ركيزة لدولة القانون وتمنع الإفلات من العقاب. النهج الحقوقي يؤكد أن العدالة لا تكتمل دون محاسبة في قضايا التحرش أو العنف أو انتهاكات النزاعات. إن غياب المساءلة يطيل أمد العنف، والعدالة المؤجلة هي في الحقيقة إنكار للعدالة.
ثالثاً: حقوق النساء… مرآة لوضع حقوق الإنسان في السودان حقوق النساء هي بوابة العدالة الاجتماعية وقضية مجتمع بأكمله. عندما تُحرم فتاة من التعليم بسبب النزوح أو الفقر، فهذا ليس انتهاكاً لحق فردي فحسب، بل خسارة اجتماعية واقتصادية تعمق التفاوت الاجتماعي. وحين تُحرم المرأة العاملة أو النازحة من الحماية القانونية والرعاية الصحية، يتضرر استقرار الأسرة والطبقة العاملة بأكملها. فالعدالة الاجتماعية لا تُبنى بإغاثة مؤقتة، بل بنظام يمنح النساء أدوات الصمود.
خاتمة في السودان، لا يمكن بناء عدالة حقيقية دون وضع النساء في قلبها. فالنهج القائم على حقوق الإنسان هو أداة لإعادة الاعتبار لدور الدولة في الحماية، ولحق النساء في الإنصاف. والعدالة التي تُقصي النساء، هي عدالة تُقصي الوطن عن مستقبله. في زمن النزاعات، يضع النهج الحقوقي الحقيقة بوضوح: لا سلام دون عدالة، ولا عدالة دون إنصاف النساء. فالمجتمع الذي يترك نساءه في الهامش، يترك مستقبله معلقاً في الفراغ.
#ملف_المرأة_والمجتمع #حقوق_المرأة #العدالة_الاجتماعية #حقوق_الإنسان #السودان #المساواة #المساءلة #تمكين_المرأة #لا_للعنف #دولة_القانون

Leave a Reply