(أبغض الحلال عند الله الطلاق): الطلاق حين يتحوّل إلى عقوبة جماعية.. من يدفع الثمن الحقيقي؟

صحيفة الهدف

ثريا سعد

في البدء دائماً حكاية جميلة؛ بيت تُفتح نوافذه على الأمل، وضحكات تُعلَّق على جدران الأيام الأولى، وتوافق يبدو كأنه قدر لا يخون. يجيء الأبناء تتويجاً لذلك الانسجام، فيتحول الحب من وعدٍ بين اثنين إلى مسؤولية مشتركة تجاه كائنات صغيرة لا تعرف من العالم سوى وجوه والديها. في تلك المرحلة، يبدو كل شيء ممكناً، ويُخيَّل للأسرة أن الاستقرار حالة أبدية لا يعكّرها خلاف ولا يهددها اختلاف.

لكن الزمن، وهو أكثر دهاءً مما نتصور، يبدأ في كشف طبقاته الخفية. تتسلل الخلافات على استحياء، ثم تستعلن، ويتحوّل الحوار إلى صمت ثقيل، فإلى نكدٍ يوميٍّ ينهش تفاصيل البيت. ومع تراكم الإحباطات، يصبح الانفصال خياراً مطروحاً، وربما ضرورياً من وجهة نظر الزوجين. هنا تُتخذ القرارات باسم الخلاص الشخصي، بينما يُغفل السؤال الأهم: ماذا عن الأبناء؟

حين يحدث الطلاق بعد الإنجاب، لا يكون مجرد نهاية علاقة زوجية، بل بداية ارتدادات عميقة تصيب كيان الأسرة كله. الدراسات النفسية والاجتماعية تشير إلى أن الطفل، في مثل هذه الحالات، لا يقرأ الحدث بوصفه إجراءً قانونياً، بل يختبره كفقدٍ وجودي. غياب أحد الوالدين، وخاصة الأب حين ينسحب من المشهد، يترك فراغاً عاطفياً لا تملؤه الأعذار ولا تعوضه النفقة.

الأبناء الذين ينشأون في ظل غياب أحد الأبوين أكثر عرضة لمشاعر الرفض وعدم الأمان، وقد تتجلى هذه المشاعر في سلوكيات انسحابية أو عدوانية، أو في صعوبات دراسية واضطرابات في بناء الثقة بالآخرين. الطفل يتعلم معنى العلاقات من البيت أولاً؛ فإذا كانت العلاقة الأساسية قائمة على الانقطاع والتجاهل، فإن النمو النفسي يتأثر، وقد يحمل الفرد هذا الجرح معه إلى الرشد، متخفياً خلف أقنعة النجاح أو الصمت.

في المقابل، تتحمل الأم – في كثير من الحالات – العبء الأكبر؛ فهي مطالبة بأن تكون المعيل والحاضن والدرع الواقي في آن واحد، بينما تُحاسَب اجتماعياً وتُلام أخلاقياً، وكأنها الطرف الأضعف دائماً والأكثر قابلية لتحميل الذنب. هذا الاختلال في توزيع المسؤولية لا يضر بالمرأة وحدها، بل يخلخل توازن الأبناء ويعيد إنتاج دوائر الألم.

علم الاجتماع الأسري يؤكد أن الطلاق، حين يُدار بوعي، يمكن أن يكون أقل ضرراً من زواج مليء بالصراع، لكن الشرط الجوهري هو استمرار الدور الأبوي والأمومي معاً. الأبوة ليست توقيعاً في وثيقة رسمية، بل حضوراً فعلياً، وسؤالاً دافئاً، واهتماماً يومياً يرمم ما كسره الانفصال.

وفي الختام، لعل الحكمة الأبلغ أن ندرك أن الحرية الشخصية لا تكتمل إن بُنيت على أنقاض طفولة آمنة. الطلاق قد يكون نهاية مسار، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية الضمير. فالأبناء لا يملكون ترف الاختيار، لكنهم يدفعون الثمن كاملاً. ومن أراد أن يغادر علاقة، فليغادرها بشرف المسؤولية، لا بخفة الغياب؛ لأن الجراح التي تُزرع في الصغر، إن لم تُداوَ، تنمو مع العمر، وتصبح مرآةً تعكس فشلنا الأخلاقي قبل أي شيء آخر.

#ملف_المرأة_والمجتمع #الطلاق #الأسرة #صحة_الطفل #علم_الاجتماع #تربية #الأمومة #الأبوة #المسؤولية_الأخلاقية #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.