الخيول

صحيفة الهدف

ليلى صلاح

خرجت الخيول الأربعة حين انشق الضوء عن ظله، وحين تذكرت السماء أن الإنسان كائن ينسى، فتكشف له ما نسيه على هيئة خيول تحمل وجوه الأزمنة التي صنعها بيديه.

خرج الأبيض أولاً، لونه لا يشبه لوناً، نور يلمع وفي جوفه سؤال: من أين يبدأ الخلاص؟ ولماذا كل بداية تشبه الخديعة؟ وما الذي يجعل الإنسان يركض خلف وهج لا يعرف مصدره؟ كأن النقاء في العالم ليس رمزاً، بل امتحاناً.

ثم جاء الأحمر، لا تلحقه الدهشة ولا يسبقه الندم، يمشي ببطء العارف، من يعرف أن الح.رب ليست حادثة بل كيان ولود، يولد من أول ضغينة ومن آخر خوف، وأن الدم لا يجف حين يراقب جريان نفسه في عروق العالم.

ثم تبعه الأسود، وجهه مائل نحو الجهة التي انكسرت فيها الموازين، يحمل الميزان كأنه يحمل سر سقوط الإنسان، يزن الجوع ولا يزن الطعام، يزن الفراغ الذي يتسع في الروح حين تفقد يقينها، وحين تستبدل الحكمة بالهلع والرحمة بالخوف.

ثم خرج الأصفر من حافة لا يفهمها أحد، لون بين الرماد والليلة الأخيرة، لون يشبه انطفاء العالم إذا نسي لماذا خُلق. يمشي معه الموت، لا كعدو، بل كمرآة يراها من لم يتطهر من ظلاله، يرى فيها أن النهاية ليست غياباً، بل عودة إلى أول حقيقة عرفها الإنسان قبل أن يتعلم التعلق بما يفنى.

في سفر الرؤيا لم تكن الخيول نبوءة، بل كشفاً، كانت تقول للإنسان إن الخراب ليس فعلاً سماوياً، بل رد فعل على ما يتجاهله القلب كل يوم. كانت تقول إن النهاية ليست زمناً ينتظرنا، بل زمناً نحمله في داخلنا، نوقظه حين يثقل الظل ويضعف النور، وأن آخر الأزمنة يبدأ في اللحظة التي لا يعود فيها الإنسان قادراً على سماع صوته الداخلي. وأعمق سر في تلك الرؤيا أن الخيول لم تُرسل لتهدد العالم، بل لتوقظه، لتقول إن الذين يخافون النهاية هم أنفسهم الذين نسوا البداية، وإن كل روح تحمل ختمها الرابع الذي لا ينفتح إلا حين تعترف بأن العودة إلى الله لا تأتي بنبوءة، بل بانحناءة صادقة أمام الحقيقة التي تهرب منها منذ أول وجع.

#ملف_الهدف_الثقافي #ليلى_صلاح #تأملات #خيول_سفر_الرؤيا #فلسفة #إبداع #حكمة #نصوص_أدبية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.