هموم المنتج الثقافي.. بين اللحظة والخلود

صحيفة الهدف

مجدي علي

المتابع للمشهد الثقافي والفني السوداني في الفترة الأخيرة يلحظ حركةً دؤوبة في التنظيم، لكنه غالبًا ما لا يتجاوز إقامة فعاليات مؤقتة، حفلات موسيقية، مهرجانات احتفالية، وتكريمات لحظية، برامج تمر، تاركةً وراءها أثرًا محدودًا في الذاكرة الجماعية..

في الخارج، في دول اللجوء حيث تقيم قطاعات واسعة من المثقفين والفنانين، ورغم توافر الإمكانات والمنابر والمبدعين، يظل المنتج المقدّم غالبًا محصورًا في اللحظة الراهنة، والمناسبة الفعلية، والحدث الذي يمرّ مرور الكرام، معتمدًا على المبادرات الفردية، والتمويل الذاتي، دون أن يتحوّل إلى بنى مؤسسية ومشروع ثقافي متواصل قادر على البناء والتراكم.

إن ما نقدمه اليوم من إنتاج ثقافي لا يرقى غالبًا إلى مستوى الرصانة التي تحفظ للثقافة السودانية استمراريتها وخلودها. فالثقافة، لتكون حيّة، لا تكفيها اللحظة؛ لأنها هي بحاجة إلى تخطيط طويل المدى، ورؤية قادرة على الجمع بين الإبداع والوعي، بين الفن والأدب والتأثير العميق.

الظروف التي يتيحها المنفى والغربة تُعد فرصة فريدة: توفر منصات عرض واسعة، وإمكانات تنظيمية أفضل، وجمهور متنوع، وخبرات متراكمة، ما يمكن استثماره في إنتاج ثقافي متنوّع ومستدام. من شأن هذه الظروف المواتية أن تحوّل النشاط من مجرد مناسبة عابرة إلى بناء ذاكرة، وتشكيل خطاب متواصل، وصياغة إرث فني ومعرفي يمتد لأجيال.

باستثناء بعض الإشراقات في المجال السينمائي، لم يرقَ المنتج المقدّم في مختلف مجالات الأدب والفن والموسيقى إلى مستوى توثيق واقعنا الحياتي وظروف غربتنا، خاصة في ظل ظروف استثنائية وعنيفة مثل الح.رب التي تعيشها بلادنا. التوثيق هنا ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية ومعرفية لحفظ الذاكرة الجماعية.

لا يجب أن يظل المنتج الثقافي والفني مجرد حفلات واحتفالات، بل ينبغي أن يكون مسارًا يعلّمنا كيف نحافظ على ثقافتنا، وكيف نعيد تعريف هويتنا.. فالانتقال من لحظية الحدث إلى استدامة الإبداع هو ما يضمن أن لا تصبح الثقافة مجرد ذكرى حفلة أو صورة فوتوغرافية، بل حياة مستمرة، ونورًا يضيء حاضرنا ومستقبلنا معًا.

#ملف_الهدف_الثقافي #مجدي_علي #المنتج_الثقافي #السودان #ثقافة_المنفى #إبداع #توثيق #الهوية_السودانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.