عباس شريف مدثر
المقدمة:
السؤال: هل السودان يعاني من مجاعة أم من فقر؟ لا يختبر واقع السودان فحسب، بل يختبر مفاهيمنا الجوهرية عن الجوع والحرمان والكرامة الإنسانية. وقبل الإجابة، لا بد من تقديم تعريفات دقيقة:
المجاعة:
بحسب بروتوكول التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، تُعرّف المجاعة بأنها انعدام شديد للأمن الغذائي يؤدي إلى ارتفاع حاد في معدلات الوفيات والهزال. وتُعلن الأمم المتحدة المجاعة عندما تتحقق الشروط التالية:
- معاناة 20% على الأقل من السكان من نقص حاد في الغذاء.
- تجاوز معدل الهزال الحاد 30%.
- تجاوز معدل الوفيات اليومي 2 لكل 10,000 شخص.
الفقر متعدد الأبعاد:
وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لا يقتصر الفقر على انخفاض الدخل، بل يشمل الحرمان من الصحة، والتعليم، ومستوى المعيشة اللائق، والتمكين.
أولًا: القراءة العلمية للبيانات، ما تقوله الأرقام
1/ المؤشرات الرسمية والحالة الإنسانية
- تصنيف IPC (أكتوبر 2023 – سبتمبر 2024): نحو 17.7 مليون شخص (37% من السكان) بحاجة عاجلة لمساعدات غذائية.
- 4.9 ملايين شخص في مرحلة الطوارئ الغذائية.
- 5.2 ملايين شخص يواجهون مستويات كارثية من الجوع.
2/ مقارنة مع عتبة المجاعة:
- في جنوب كردفان، والنيل الأزرق، وأجزاء من دارفور، تصل نسبة السكان في المرحلة الخامسة إلى 30–40%.
- معدلات الهزال الحاد بين الأطفال بلغت في بعض مناطق دارفور 42%، متجاوزة عتبة المجاعة.
مؤشرات إضافية مقلقة:
- ارتفاع نسبة الإنفاق على الغذاء من 60% إلى 85–90% من الدخل.
- تضخم أسعار الغذاء (القمح 300%، السكر 250%).
- خروج 70% من المرافق الصحية عن الخدمة في مناطق النزاع.
ثانيًا: الفقر أم المجاعة؟ تشريح الظاهرة
1/ ما يجعله فقرًا:
- اضطرار الأسر للاختيار بين الغذاء والدواء والتعليم.
- تراجع جودة الغذاء.
- استراتيجيات تأقلم قاسية (وجبة واحدة يوميًا).
- استمرار التكافل الاجتماعي كصمام أمان مؤقت.
2/ ما يجعله مجاعة في طور التشكّل:
- وفيات مرتبطة بسوء التغذية.
- نزوح جماعي بحثًا عن الغذاء.
- بيع الأصول الإنتاجية.
- ممارسات بقاء قصوى في المناطق المعزولة.
ثالثًا: قراءة فلسفية، الموت البطيء مقابل الموت السريع
1/ الموت الاجتماعي:
ما يعيشه السودان هو موت اجتماعي تدريجي، تتحوّل فيه الكرامة إلى ترف، ويُعاد تعريف الغذاء بوصفه وسيلة للبقاء لا للحياة.
2/ نهايات العالم الصغيرة:
كل أسرة تعيش انهيار عالمها الخاص: فقدان المدخرات، وتدمير المشروع الأسري، وتحويل المستقبل إلى مسألة نجاة لا تخطيط.
3/ الجوع كظاهرة سياسية (أمارتيا سن):
الجوع ليس نقص الطعام فقط، بل نقص الحقوق الأساسية، وجميعها منتهكة في سياق النزاع.
رابعًا: الجواب المركب، لماذا السؤال صحيح وخاطئ معًا؟
السودان يعاني من فقر مدقع يتخلله تشكّل مجاعات موضعية، تختلف جغرافيًا وزمنيًا، ويمكن توصيف الحالة بـ “المجاعة الجزئية”:
- ليست شاملة لكل البلاد.
- لكنها شاملة في تآكل الكرامة الإنسانية.
- وتتكرر في نوبات مع استمرار الحرب.
الخاتمة:
السؤال: مجاعة أم فقر؟ هو سؤال إداري أكثر منه إنساني. أما بالنسبة للسوداني، فالمسألة هي فقدان الخيارات، وتآكل الكرامة، والبقاء اليومي بوصفه معجزة اجتماعية. قد لا تُعلن مجاعة رسمية في كل السودان، لكن كل أسرة فقدت قدرتها على الاختيار، وكل طفل فقد طفولته، وكل كهل فقد كرامته، يعيش مجاعته الخاصة، وهي واقعية بقدر الدم في الشوارع، وحقيقية بقدر صمود الناس في مواجهة الجوع.
#السودان #الفقر #المجاعة #الأمن_الغذائي #الكارثة_الإنسانية #IPC #الأمم_المتحدة #الاقتصاد_السوداني #ملف_الهدف_الاقتصادي #الكرامة_الإنسانية #الغذاء_حق_أساسي

Leave a Reply