كلمة العدد: أغاني وأغاني.. نهاية الثقافة

صحيفة الهدف

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، وكما جرت العادة كل عام، يعود الحديث مجددًا عن الاستعدادات الرمضانية، ويتصدرها الإعداد للبرنامج التلفزيوني الشهير (أغاني وأغاني)، ورغم أن هذا البرنامج قد استنفد أغراضه منذ زمن طويل، بل قبل رحيل مؤسسه السر قدور، رحمه الله، إلا أن إصرارًا غريبًا ما زال يدفع نحو إعادة إنتاجه مرة بعد أخرى، في صورةٍ معادة تضعه تلقائيًا في مقارنة غير عادلة بين الأصل ونسخةٍ مقلّدة تفتقد روحه وفرادته.

إن البرنامج، في صيغته الراهنة، لا يقدّم إضافة فنية حقيقية، بل يكرّس تقليد أغاني الآخرين، ويكافئ المقلّدين على حسن محاكاتهم بدل تحفيزهم على إنتاج أعمالهم الخاصة وصقل تجاربهم الإبداعية. وهو، في الوقت ذاته، يمنح فرص الظهور والترويج لمن لا يستحقونها من ناشئة الفنانين، بينما يتجاهل، عن عمد أو إهمال، كبار المبدعين وإسهاماتهم الأصيلة، في سياق خطةٍ غير معلنة لتكريس التقليد بوصفه نهجًا عامًا ومستقرًا في الحياة الفنية.

وما يثير الحيرة حقًا، أن البرنامج، رغم سيل الانتقادات التي طالته في مختلف نسخه، تحوّل إلى نموذج يُحتذى، تتسابق القنوات التلفزيونية على استنساخه، بمزيد من التقليد البائس، وبالاستعانة بصغار المقلدين. وهو ما يكشف بوضوح عن فقرٍ في الخيال، ونضوبٍ في معين الإبداع والخلق الفني، وعن قناعةٍ سائدة مفادها أن إنتاج برامج جاذبة ومؤثرة لا يمكن أن يتم إلا عبر الغناء، وكأن الغناء وحده هو حياة السودانيين وهويتهم الكاملة.

إن هذا التكرار المفرط للبرامج الغنائية، داخل التلفزيون وخارجه، وفي المنابر العامة، والتي يتصدى لإنتاجها وتقديمها أشخاص يفتقر كثير منهم إلى الموهبة الحقيقية، يمثل دلالة صارخة على حالة الإفلاس الثقافي والفقر الفني التي تعانيها أجهزة الإعلام. وهو إفلاس لا يقف عند حدود البرامج الغنائية، بل يشكّل واجهة أخرى من واجهات الأزمة الشاملة التي تعيشها البلاد منذ زمن بعيد، أزمة في الرؤية، وفي الدور، وفي فهم الثقافة بوصفها فعلًا حيًا ومتجددًا، لا مجرد صدى باهت لما كان.

#ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #السودان #رمضان_2026 #أغاني_وأغاني #أزمة_الثقافة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.