سكاي نيوز: مسيحيو السودان بين الإيمان و”الكيزان”

صحيفة الهدف

#اختيارات الهدف

صباح الخامس والعشرين من ديسمبر 2025، بينما كانت الأجراس تقرع في كنائس العالم، كانت طائرات مسيّرة تابعة للجيش تحصد أرواح مصلين تجمعوا للاحتفال في قرية جلود بجبال النوبة، جنوب كردفان.

31 شخصا بين قتيل وجريح، في مكان لم يكن ثكنة عسكرية ولا موقع اشتباك، بل كان تجمعا دينيا في يوم عيد، في منطقة يشكل المسيحيون نحو 45 بالمئة من سكانها.

وقبل أسابيع فقط من تلك الحادثة، تحديدا في نوفمبر 2025، وفي المنطقة نفسها، استهدفت طائرتان مسيّرتان مركزا صحيا في منطقة كومو بمقاطعة هيبان.

مكان يقصده طلاب المدارس لتلقي العلاج، غالبيتهم من أبناء الطائفة المسيحية.

فعلى مدى أكثر من 3 عقود، لم تصادق حكومة المخلوع البشير رسميا على بناء أي كنيسة، إذ يعود آخر تصريح رسمي إلى عام 1987.

وفي 2020، أعلنت الحكومة الانتقالية الموافقة على بناء 14 كنيسة، في خطوة وصفت آنذاك بأنها محاولة لتصحيح مسار طويل من التقييد، لكن هذه الموافقات لم تر النور بسبب الانقلاب العسكري.

ويقول وزير الشؤون الدينية والأوقاف في الحكومة المدنية الانتقالية السابقة نصر الدين مُفرّح لـ”سكاي نيوز عربية”: “كان ذلك آخر ما بدا كأنه مسار مختلف، لكنه لم يكتمل”.

في 25 أكتوبر 2021، أطاح انقلاب عسكري بالحكومة الانتقالية، بدعم من التيار الاسلاموي الذي حكم السودان لثلاثة عقود، ومع عودة العسكر عادوا إلى مفاصل الدولة، خصوصا الأجهزة الأمنية ولجان الولايات.

ويكمل مُفرّح: “هذا المناخ أسهم في تآكل الحدود بين الحرب والسياسة والدين”.

وبحسب مسؤولين سابقين ومصادر محلية، وفرت الحرب بيئة مواتية لتحرك الجماعات المتطرفة، بعيدا عن الرقابة والمساءلة.

ويضيف مُفرّح: “لم يتوقف الاستهداف عند القصف ولا مناطق القتال، بل امتد إلى دور العبادة”.

هدمت 13 كنيسة في الخرطوم ومناطق أخرى، منذ سيطرة الجيش على المدينة في مارس 2025، وتسببت هذه العمليات في تهجير أكثر من 35 ألف مسيحي من العاصمة وحدها.

وأوضحت المصادر أن عمليات الهدم نفذت بواسطة لجنة أمن ولاية الخرطوم، التي يهيمن عليها التيار الاسلاموي وفلول من النظام السابق.

وتقول سيدة من جبال النوبة مقيمة في الخرطوم: “رحلونا لغرب السودان ونحن نعود لمحاربة النوبة (العبيد). لماذا لم يتم هدم منطقة اللؤلؤة؟.

وجرى الهدم بذريعة إزالة السكن العشوائي، رغم أن الكنائس المستهدفة كانت قائمة وتواصل أداء شعائرها الدينية، رغم بساطة بنائها.

لكن الهدم لم يكن الشكل الوحيد للاستهداف، ففي مدينة بورتسودان، حيث انتقلت الحكومة وقيادة الجيش بعيدا عن جبهات القتال، ظهرت رسائل مختلفة في الشكل، متطابقة في المعنى.

قبيل أعياد الميلاد، كتبت عبارات دينية بالطلاء الأحمر على جدران كنيستين من أقدم دور العبادة المسيحية في المدينة.

وقال شاهد عيان لـ”سكاي نيوز عربية”، طلب عدم الكشف عن هويته: “في ذلك اليوم شاهدت سيارة بيضاء اللون تقف أمام الكنيسة، ترجل منها شخص لفحص المكان وعاد مجددا إلى السيارة وتحركت السيارة على الفور، وبعد تحرك السيارة لاحظت أن هناك كتابة بالطلاء على الحائط كاملا، وهذا يرجع إلى أن مدينة بورتسودان عقب الحرب امتلأت بعدد كبير من “الكيزان”والمجاهدين وأفراد مدنيين يحملون أسلحة يقومون بالتكبير والتهليل. أصبحنا خائفين من الوضع تماما، لأن قبل الحرب كانت بورتسودان آمنة تماما ولا توجد مشاكل، والعلاقات الطيبة كانت تسود المجتمع بأكمله، لأننا جميعا نعرف بعضنا البعض. لا نعرف إلى ماذا سيفضي بنا هذا الوضع؟”.

وتشير مصادر محلية إلى أن هذه الحوادث وقعت في ظل نفوذ متزايد لعناصر إسلامية مرتبطة بالنظام السابق، تعمل داخل الأجهزة الأمنية ولجان الولايات.

تقدر أعداد المسيحيين في السودان بنحو مليوني شخص، أي قرابة 4 بالمئة من السكان، وفقا لآخر إحصائية معلنة، ويعكس واقعهم نمطا ممنهجا من تقييد الحريات الدينية، خصوصا في عهد الحكم الاسلاموي وتيار الإخوان.

مسيحيو السودان أقلية دينية وجدت نفسها في قلب صراع لم تختره، بين ح.رب تقودها المؤسسة العسكرية ضد فصيل خرج من رحمها، ونفوذ اسلاموي عاد ليتغلغل في مفاصل الدولة تحت غطاء الصراع.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.