د. يوسف مكي.. سيرة نُبلٍ تمشي على الأرض

صحيفة الهدف

عبدالقادر شنور

وداعاً يا الحبيب، والصديق، والأخ الأكبر، والرفيق، والنديم، وبوصلة العطاء والتضحية ونكران الذات. من السجن لسنواتٍ حرمتك من إكمال الثانوية العامة في المملكة، إلى الرحيل لاجئاً إلى بغداد العروبة، تاركاً وراءك ابنك الوليد وزوجتك الأولى، بعدما ضاقت بك سبل الحياة في الوطن. وكم أضحكك تعنّت مدير مستودع الكتب المدرسية في الرصافة، حين رفض طلب إهدائك كتب الثانوية العامة، بحجة أنها أملاك دولة، ولا يحق حتى لرئيس الجمهورية العراقية أن يُهديك إياها.

من هناك، إلى دراسة السوسيولوجي في كاليفورنيا، ثم دراسة الدكتوراه في مدرسة العلاقات الدولية بجامعة دنفر. وبعد تخرّجك، كنت تساعد زوجتك العراقية آنذاك في دكانٍ صغير لبيع القرطاسية والهدايا. وخابرتني يوماً لأمرٍ جلل، لأنك قررت العودة إلى المملكة، بعدما طلب طفلٌ إفريقي أن يعيد قطعة من السكاكر بعشرة سنتات كانت مبيعك لذلك اليوم، وتألمت لأنك كدت أن تتشاجر مع طفلٍ فقير، فقررت الإسراع بالعودة رغم مخاطرها.

ثم فرحك الكبير حين تم اختيارك مدققاً عاماً للموسوعة العربية العالمية، لا لمردودٍ مادي، سوى أنك وجدت فرصة للقراءة والمعرفة. ثم وفقك الله بالزواج من السيدة الفاضلة أم سلمى، ورُزقت بسمر وجنين، وكم كانت فرحتك عظيمة حين سميت ابنتك باسم المدينة المقاتلة، تبارك انتصارها وتحديها للاحتـ.ـلال البغيض.

وأذكر امتنانك لمركز دراسات الوحدة العربية، لأنهم كانوا يكافئونك على جهدك في الأمانة العامة للمركز بنسخة من الكتب الصادرة عنه، وبفرصة تقييم الكتب المقدّمة للنشر. وأذكر أنك رفضت نقد كتابٍ مقترح لأحد الكتّاب المعروفين، لأنك لم ترغب في كتابة نقدٍ قد يتسبب في عدم إصداره، لاختلافك الفكري مع الكاتب.

لم تكن سنداً للمقـ.ـاومة الفلسـ.ـطينية والمقـ.ـاومة العراقية فحسب، بل كنت طرفاً فاعلاً في التوجيه والتدريب، وضيفاً على الندوات والمؤتمرات، ودورات التثقيف لكل من عمل في مواجهة أعداء الأمة على امتداد الوطن العربي. كما كنت مستشاراً للعديد من الدول العربية، ومنها المملكة، مدافعاً عن الأمة العربية وحقوقها، ولم تتردد يوماً في إصرارك على الدفاع عن نهضة الأمة العربية ومشروعها الحضاري، وعن المحرومين والفقراء.

ولأختصر سردية عطائك، أقول: لم أعرف مفكراً ومناضلاً يشبهك في الدماثة، والعاطفة، والدفء الإنساني، فضلاً عن سعة معرفتك، ومنهجك العلمي، وأصالتك العربية. رحمك الله د. يوسف، وصبّرنا على فراقك..

#ملف_الهدف_الثقافي #يوسف_مكي #رثاء #الفكر_العربي #عروبة #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.