المهدية وسكة حديد كتشنر: صراع الإرادة ضد الآلة

صحيفة الهدف

محمد شريف

عندما قررت بريطانيا غزو السـ.ـودان عام 1896 لاستعادته من الدولة المهدية، لم يكن العائق الأكبر أمام القائد الإنجليزي هربرت كتشنر هو شجاعة المقاتل السـ.ـوداني فحسب، بل كانت الجغرافيا. فالسـ.ـودان، بمساحاته الشاسعة وصحرائه القاحلة، كان يمثل (مقبرة للغزاة) بسبب صعوبة الإمداد والتموين.

السكة الحديد: العمود الفقري للغزو أدرك كتشنر أن الانتصار على الخليفة عبد الله التعايشي يتطلب تجاوز عقبة الصحراء، لذا قام ببناء خط سكة حديد يبدأ من وادي حلفا ويخترق صحراء النوبة ليصل إلى قلب السـ.ـودان.

  • السرعة والمدد: سمح القطار لكتشنر بنقل آلاف الجنود وأطنان الذخيرة والمؤن في أيام معدودة، وهي رحلة كانت تستغرق أسابيع طويلة عبر الإبل والقوافل.
  • تجاوز النيل: مكّنت السكة الحديد الجيش الغازي من تجاوز الشلالات النيلية التي كانت تشكّل حماية طبيعية للمناطق الخاضعة للمهدية.

اختلال توازن القوى: السلاح الناري لم تكن التكنولوجيا محصورة في السكة الحديد فقط، بل تجلّت بوضوح في (مقـ.ـتلة كرري) (معركة أم درمان) عام 1898، من خلال:

  • مدفع الماكسيم: (Maxim Gun) أول رشاش أوتوماتيكي في العالم، والذي حصد أرواح الآلاف من الأنصار الذين واجهوا الرصاص بصدور عارية وسـ.ـيوف تقليدية.
  • البوارج النهرية: التي كانت تقـ.ـصف العاصمة من النيل بتنسيق محكم مع القوات البرية.

هل هزمت التكنولوجيا “الروح” السـ.ـودانية؟ رغم أن الآلة العسكرية المتفوقة هي التي حسمت المعركة عسكرياً، فإن المؤرخين يشيرون إلى أن المهدية لم تُهزم معنوياً. فقد واجه المقاتل السـ.ـوداني في كرري تكنولوجيا القرن العشرين بشجاعة أذهلت القادة الإنجليز أنفسهم، ووصفها ونستون تشرشل في كتابه “حـ.ـرب النهر” بأنها كانت “نصراً للعلم على الشجاعة البدائية”.

دروس للمستقبل في ذكرى الاستقلال في ذكرى استقلالنا السبعين، يظل درس (السكة الحديد والتكنولوجيا) حاضراً، ليذكّرنا بأن:

  • التحديث ضرورة: فالدول لا تُبنى بالعاطفة والشجاعة وحدهما، بل بامتلاك أدوات العصر من علم وتقنية.
  • البنية التحتية سيادة: فالسكة الحديد التي بُنيت لأغراض استعمارية، كانت لاحقاً الأداة التي ربطت أجزاء السـ.ـودان وأسهمت في تشكيل هويته الاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى الاستقلال عام 1956.

مفارقة التاريخ: سكة الغزو هي سكة الجلاء يحمل التاريخ السـ.ـوداني مفارقة مدهشة؛ فهذه القضبان التي دُقّت ليدخل عبرها المستعمر، هي ذاتها التي شهدت رحيله. فالسكة الحديد التي حملت جنود الغزو عام 1898، هي نفسها التي حملت آخر جندي بريطاني مغادراً أرض السـ.ـودان عند الاستقلال.

عطبرة.. ومنصة الانطلاق ارتبطت السكة الحديد بمدينة عطبرة، عاصمة الحديد والنار، التي تحوّلت من مركز لإمداد المستعمر إلى معقل للحركة الوطنية والنقابية. ومن قلب هذه المدينة، ومن فوق قاطراتها، صدحت حناجر السـ.ـودانيين بأناشيد الحرية. “يا غريب بلدك يللا لبلدك” لا يمكن ذكر الجلاء دون استحضار صوت الفنان القامة حسن خليفة العطبراوي، الذي لخّص إرادة الشعب في نشيده الخالد: “يا غريب بلدك يلّلا لبلدك.. سوق معاك ولدك.. لمّلم عددك” كانت هذه الكلمات تُردَّد بينما القطارات تُصفّر إيذاناً برحيل الإدارة الاستعمارية. لقد تحوّلت السكة الحديد من أداة قهر تكنولوجية إلى وسيلة تحرر وطنية.

#ملف_الهدف_الثقافي #تاريخ_السـ.ـودان #المهدية #الاستقلال #سكة_حديد_السـ.ـودان #عطبرة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.