راسكولنيكوف

صحيفة الهدف

هاشم محمود

قلةٌ أولئك الأدباء الذين نجحوا في أن يمسكوا بمِشرط الجرّاح ليشرحوا النفس البشرية، كما فعل فيودور دوستويفسكي. وتُعدّ شخصية (راسكولنيكوف) في رائعته (الجريمة والعقاب) الدليل الحيّ على عبقريته الفذّة.

نعرف منذ الصفحات الأولى مَن هو القـ.ـاتل، ومع ذلك نواصل القراءة، مستجيبين لنداء دوستويفسكي؛ لا ليخبرنا كيف وقعت الجريمة، بل لماذا يقـ.ـتل الإنسان، وماذا يحدث لروحه بعد أن تتلطخ يداه بالدم؟ راسكولنيكوف، ذلك الطالب الجامعي الفقير والمثقّف، لم يقـ.ـتل العجوز المرابية طمعاً في مالها وحده، بل ليختبر فكرة شيطانية سيطرت على عقله: هل أنا مجرّد قملة، أم أنني نابليون؟

كان يعتقد بوجود بشرٍ فوق العادة، يحقّ لهم تجاوز القانون وسـ.ـفك الدماء من أجل غايات سامية كبرى. أراد أن يثبت لنفسه أنه واحد من أولئك العظماء، وأن قلبه لن يرتجف. لكن دوستويفسكي، ببراعته النفسية، يضعنا أمام الحقيقة القاسية: النظرية شيء، والطبيعة البشرية شيء آخر. فبمجرّد أن هوت الفأس، هوى معها كبرياء راسكولنيكوف. لم يتحوّل إلى بطلٍ خارق كما تخيّل، بل إلى كائنٍ مذعور، محموم، يطارده ظله.

كان عقابه الحقيقي ذلك الجحيم المستعر داخل رأسه: الحمى، الهذيان، والرغبة المجنونة في الاعتراف؛ كلها صرخات للفطرة السليمة التي ترفض الشر، مهما تعدّدت مبرّراته. ترسم لنا شخصية راسكولنيكوف خطاً واضحاً: مهما ادّعى الإنسان القوّة والقسوة، فإنه لا يستطيع محو النور الخافت الكامن في داخله. وحتى في أشد لحظات السقوط، يظلّ الخلاص ممكناً. وكما وجد راسكولنيكوف خلاصه في حبّ سونيا وإيمانها، يمكن لأي إنسان أن يجد طريق العودة.

  • روائي وكاتب من إرتريا

#ملف_الهدف_الثقافي #هاشم_محمود #دوستويفسكي #أدب_عالمي #نقد #راسكولنيكوف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.