م عبدالمنعم مختار
#الهدف_آراء حرة
لم تكن هيلين توماس من هواة إطلاق النبوءات، بل من مدرسة الصحافة، التي ترى قبل أن تحكم، وتقرأ الوقائع قبل أن ترفع الصوت. وحين حذّرت، في سنواتها الأخيرة، من أن المنطقة العربية مقبلة على تفكك الدول لا مجرد اضطراب الأنظمة، لم تكن تمارس دور “المنجمة السياسية”، بل دور الشاهدة، التي عاشت في قلب القرار الأمريكي أكثر من خمسين عامًا.
هيلين توماس، عميدة مراسلي البيت الأبيض وأول امرأة تترأس نادي الصحافة القومي الأمريكي، رافقت الرؤساء الأمريكيين من كينيدي إلى أوباما، وكانت حاضرة في لحظات التحول الكبرى. عُرفت بجرأتها في مساءلة السلطة، ورفضها تغليف الح.روب بخطاب أخلاقي أو ديني. في نقدها لغزو العراق، قالت إن ما يجري «ليس حرب الله، بل حرب المصالح»، وهو توصيف يلخّص رؤيتها للصراع في الشرق الأوسط.
في قراءتها لما يجري، رأت توماس أن الفوضى لم تعد نتيجة عرضية، بل أداة سياسية تُدار، وأن التنظيمات المتطرفة لا تنشأ في فراغ، بل في بيئات تُهندس وتُستثمر. لم تقل إن العالم يُدار بالمؤامرة وحدها، لكنها أشارت إلى أن القوة حين تعجز عن فرض الاستقرار، تلجأ إلى إدارة الانهيار.
هذا الطرح يجد صداه في الفكر العربي الحديث. فمحمد عابد الجابري نبّه مبكرًا إلى أن غياب العقل السياسي النقدي يجعل المجتمعات العربية عرضة لإعادة التشكيل من الخارج. بينما رأى عزمي بشارة أن تفكك الدولة الوطنية لا يبدأ بالسلاح، بل بانهيار العقد الاجتماعي وتحويل الهويات إلى أدوات صراع. أما إلياس فرح وشبلي العيسمي، فقد حذّرا، من موقع قومي مبكر، من أن الأمة، التي تفقد مشروعها الوحدوي تتحول دولها إلى ساحات نفوذ لا إلى كيانات سيادية.
ما يجري اليوم في أكثر من قطر عربي لا يبدو بعيدًا عن هذه التحذيرات. دول منهكة، حدود رخوة، صراعات مفتوحة، وقوى كبرى تدير الأزمات أكثر مما تسعى إلى حلّها. هنا يصبح سؤال هيلين توماس مشروعًا: هل ما نشهده فوضى عمياء، أم إعادة رسم محسوبة؟
ليس المطلوب التسليم بنبوءات، ولا الارتهان لخطاب تشاؤمي، بل استعادة الوعي. فالتاريخ، كما علمتنا تجارب الأمم، لا يُعاد إلا على حساب الغافلين. والخرائط لا تُحفظ بالخطابات، بل بعقل سياسي قادر على قراءة اللحظة، وبمشروع عربي يعيد للدولة معناها، وللأمة بوصلتها.

Leave a Reply