اعتراف الكيان الصه.يوني بأرض الصومال: الجيوسياسة الهشّة وكسر محرّمات الدولة العربية

صحيفة الهدف

حج حج أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

مقدمة: لم يكن اعتراف الكيان الصه.يوني بأرض الصومال مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل كان ضربة جراحية دقيقة في جسد الأمة العربية، اختار فيها الكيان أخطر نقاط الضعف وأكثرها حساسية. فالصومال ليست دولة فحسب، بل هي نموذج مصغر لأزمة الدولة العربية بأكملها: تفكك داخلي، حدود استعمارية متهالكة، صراع هويات، وجيوغرافيا استراتيجية تطل على أهم ممر بحري في العالم (باب المندب).

هذا الاعتراف لا يمثل تحولاً في سياسة الكيان الصه.يوني بقدر ما يمثل كشفاً صارخاً عن التحولات الجيوسياسية العميقة في المنطقة، وتحول التهديد الاستراتيجي من المواجهة العسكرية المباشرة إلى اختراق البنى الهشة وإعادة ترتيب التحالفات من الداخل.

1.  جغرافيا التفكك: لماذا أرض الصومال؟

أ‌. الموقع الاستراتيجي: باب المندب كجوهرة التاج: أرض الصومال تطل على 350 كم من السواحل المطلة على خليج عدن، وتتحكم بالجانب الإفريقي من مضيق باب المندب، الذي يمر عبره 30% من التجارة العالمية و40% من النفط الخام المتجه إلى أوروبا وأمريكا. هذا الموقع يجعلها:

– حارساً طبيعياً للممرات البحرية الدولية

– قاعدة متقدمة لأي قوة تريد مراقبة حركة الملاحة العربية

– نقطة انطلاق للنفوذ في القرن الإفريقي والجزيرة العربية

ب‌. فشل الدولة الصومالية: الفراغ الذي يملأه الآخرون: منذ انهيار الحكومة المركزية في مقديشو عام 1991، تحولت الصومال إلى فريسة سهلة للقوى الإقليمية والدولية:

– إثيوبيا: احتلت أجزاءً تحت ذريعة محاربة الإرهاب

– الاتحاد الإفريقي: نشر قوات لحفظ السلام (AMISOM)

– الولايات المتحدة: قواعد عسكرية وضربات بطائرات بدون طيار

– الإمارات وتركيا: منافسة على النفوذ والموانئ

الكيان الصه.يوني جاء متأخراً إلى مائدة النهب، لكنه جاء بخطة واضحة: الاعتراف في مقابل امتيازات أمنية واستراتيجية.

2.  كسر التابلوهات: حدود ما بعد الدولة القومية

أ‌. تفكيك مفهوم السيادة العربية: الاعتراف كإعلان وفاة غير معلن: يمثل الاعتراف بكيان انفصالي داخل دولة عضو في الجامعة العربية نسفًا عمليًا لمفهوم السيادة العربية كما تشكّل بعد الاستقلال. الأخطر هنا ليس الفعل ذاته، بل الصمت العربي المتوقع الذي يحوّل الخرق إلى سابقة. السيادة، في هذا السياق، لم تُكسر بقوة السلاح، بل تآكلت بفعل العجز والتواطؤ والانشغال الداخلي. حيث يمثل خرقاً تاريخياً للمبادئ التي قامت عليها المنظومة العربية منذ 1945:

– مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية

– مبدأ احترام الحدود القائمة

– مبدأ وحدة الأراضي العربية

الكيان الصه.يوني يعرف أن هذه المبادئ ميتة فعلياً، لكنه يريد أن يعلن موتها رسمياً.

أ‌. رسالة إلى كل الحركات الانفصالية: رسالة الكيان الص.هيوني ليست موجهة فقط للصومال، بل لكل الهويات المهمشة داخل الدول العربية: من يستطيع الانفصال، يستطيع أن يُعترف به. وهنا يتحول الاعتراف إلى تحريض سياسي ناعم على إعادة تخيّل الخرائط خارج المركز.. هذه دعوة مفتوحة لـ:

– الحوثيين في اليمن

– الأقاليم الشرقية في ليبيا

– دارفور وكردفان في السودان.

– مناطق أخرى تعاني من الإهمال المركز

ب‌. اختبار الرد العربي المتوقع: الكيان يراهن على:

– تشرذم الموقف العربي (بعض الدول ستستنكر، بعضها سيتجاهل، بعضها قد يتبع نفس السياسة لاحقاً)

– عجز الجامعة العربية عن أي رد فعل مؤثر

– انشغال الدول العربية بأزماتها الداخلية

3. الأبعاد الاستراتيجية: من العدو الخارجي إلى العدو الداخلي:

أ‌. التحول من المواجهة إلى الاختراق: استراتيجية الكيان تحولت من:

– المواجهة المباشرة (حروب 1948، 1967، 1973)

– إلى السلام الإجباري (معاهدة كامب ديفيد، وادي عربة)

– إلى الاختراق من خلال التفكك الداخلي

ب‌. (إسرائيل الكبرى) الاقتصادية: رؤية الكيان الآن ليست (إسرائيل الكبرى) الجغرافية، بل) إسرائيل الكبرى الاقتصادية والأمنية (التي:

– تتحكم في الممرات المائية (قناة السويس، باب المندب، مضيق هرمز)

– تسيطر على الموارد الطبيعية (غاز شرق المتوسط، مياه النيل).

– تبني شبكة تحالفات مع كيانات دون الوطنية

ت‌. عسكرة التجارة وح.رب الموانئ: الكيان يبني حزاماً أمنياً بحرياً:

– تحالف مع اليونان وقبرص في المتوسط

– علاقات مع إثيوبيا وأوغندا في النيل

– الآن أرض الصومال في باب المندب

الهدف: تطويق الوطن العربي بحزام من القواعد والتحالفات

4.  الوحدة العربية: من الشعار إلى التحدي الوجودي

أ‌. اختبار حقيقي للوحدة: هذا الاعتراف يمثل أول اختبار عملي لفكرة الوحدة العربية في القرن الحادي والعشرين:

– هل تستطيع الاقطار العربية منع اعتراف دولي بكيان انفصالي في دولة عربية؟

– هل تمتلك آليات للضغط على الدول التي تعترف؟

– هل يمكن تقديم بديل جذاب للكيانات الانفصالية أفضل مما يقدمه الكيان الصه.يوني؟

ب‌. عجز المؤسسات العربية: الجامعة العربية تثبت مرة أخرى أنها:

– بلا أدوات تنفيذية

– بلا رؤية استراتيجية

– بلا إرادة سياسية جماعية

ت‌. صراع الهويات المتعددة: أزمة الصومال تعكس الأزمة الهوياتية العربية الأعمق:

– هوية قومية (عربية) ضعيفة

– هويات دون قومية (قبلية، مناطقية، طائفية) قوية

– هويات إقليمية جديدة (إفريقية، إسلامية) تتنافس مع العربية

5.  ما المطلوب منا: من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي

أ‌. المستوى الفكري: إعادة تعريف الوحدة العربية: الوحدة لم تعد مشروعاً رومانسياً بل أصبحت ضرورة وجودية. يجب الانتقال من:

– وحدة الدول → وحدة الشعب

– وحدة الجغرافيا → وحدة المصالح

– وحدة الخطاب → وحدة الفعل

ب‌. المستوى السياسي: استراتيجية متعددة المستويات

– على مستوى الصومال:

 دعم حقيقي للحكومة المركزية في مقديشو

 استثمارات عربية في أرض الصومال تجعل الارتباط بالعرب مجدياً اقتصادياً

 وساطة عربية جادة بين الأطراف الصومالية

ت‌. على مستوى الكيان الصه.يوني:

 مقاطعة الدول التي تعترف بالكيانات الانفصالية العربية

 فضح الاستراتيجية(الإسرائيلية) في المحافل الدولية

 دعم المقاومة القانونية والدبلوماسية

ث‌. على مستوى النظام الإقليمي:

 إنشاء صندوق عربي لدعم الوحدة الترابية للأقطار العربية

 نظام إنذار مبكر للتدخل في حالات التهديد بالتفكك

 جامعة عربية معدلة بصلاحيات تنفيذية

ج‌. المستوى الأمني: التكامل الأمني العربي

 إنشاء قوة عربية مشتركة للتدخل السريع

 نظام استخبارات عربي موحد

 تعاون أمني بحري في الممرات المائية الاستراتيجية

ح‌. المستوى الاقتصادي: اقتصاد المقاطعة والتكامل

 مقاطعة اقتصادية للدول التي تعترف بالكيانات الانفصالية

 استثمارات عربية في المناطق المهمشة في الأقطار العربية

 إنشاء مناطق اقتصادية عابرة للحدود

6. دروس التاريخ وتحذيرات المستقبل

أ‌. دروس من تفكك دول عربية أخرى:

– اليمن: التدخل الإماراتي في جزيرة سقطرى ومحاولة شراء الولاءات

– ليبيا: الاعترافات المتباينة بحكومتي طبرق وطرابلس

– السودان: دعم دولي للانفصال ثم التخلي عن الدولة الجديدة

ت‌. سيناريوهات المستقبل

– السيناريو الأسود (استمرار الوضع الراهن):

 اعترافات متتالية بكيانات انفصالية

 تحول الوطن العربي إلى كانتونات متنازعة

 هيمنة ص.هيونية إقليمية كاملة

– السيناريو الرمادي (إصلاح جزئي):

 احتواء أزمة الصومال لكن تفجر أزمات جديدة

 استمرار التشرذم العربي لكن بوتيرة أبطأ

– السيناريو الأخضر (صحوة عربية):

 إصلاح جذري للمنظومة العربية

 توحيد الموقف تجاه التحديات الخارجية

 تقديم نموذج عربي جذاب للتعايش الداخلي

الخاتمة: اعتراف الكيان الص.هيوني بأرض الصومال ليس مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل هو جرس إنذار يدق بقوة:

1. إنذار بأن الوحدة العربية لم تعد خياراً، بل ضرورة وجودية

2. إنذار بأن العدو لم يعد على الحدود، بل في عمقنا الداخلي

3. إنذار بأن الزمن لم يعد في صالحنا

الكيان الص.هيوني يلعب لعبة طويلة النفس، يعرف فيها أن أقوى أسلحته هو تفككنا. وهو يضرب في أرض الصومال اليوم، لأنه يعلم أنها الحلقة الأضعف في السلسلة العربية.

السؤال الآن: هل سنسمع صوت جرس الإنذار؟ هل سنتحول من أمة ترد على الأحداث إلى أمة تصنع الأحداث؟

هل سنبقى أسرى الوحدة الخطابية أم سنبني وحدة المصير؟

الاعتراف بأرض الصومال قد يكون نهاية الوحدة العربية كما عرفناها، أو قد يكون بداية صحوة تعيد تعريف الوحدة بشكل جديد. الخيار بين هذين الاحتمالين ليس بيد الكيان الصه.يوني، بل بيد الشعب العربي نفسه.

فإما أن نتعلم من الصومال درساً في كيفية الحفاظ على الوحدة، أو نكون الصومال القادم في قائمة الكيانات المنقسمة التي يعترف بها العدو لتثبيت تفككنا. الوحدة أو الزوال لم يعد شعاراً، بل أصبح معادلة وجودية تفرضها الجغرافيا والسياسة والتاريخ. والوقت ليس في صالح من يظن أنه يمكنه الجلوس على جانب الطريق بينما يعيد الآخرون رسم خريطة وجوده.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.