المثقف كتهديد دائم للسلطة

صحيفة الهدف

زكريا نمر

يُعدّ المثقف أحد أكثر الفاعلين تعقيداً في البنية الاجتماعية والسياسية لأي مجتمع. فهو ليس مجرد منتج للمعرفة أو ناقل للأفكار، بل يمثل ضميراً نقدياً يراقب الواقع ويفكك الخطابات السائدة ويكشف آليات الهيمنة التي تمارسها السلطة بأشكالها المختلفة. وينشأ الصراع التاريخي بين المثقف والسلطة، صراع لا يمكن فصله عن سؤال الحرية، ولا عن طبيعة الدولة، ولا عن موقع المعرفة في معادلة الحكم.

هذا الصراع ليس حدثاً عارضاً، بل صراع بنيوي يتجدد بتجدد أشكال السلطة ويتخذ صوراً متعددة بحسب الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي. فالمثقف الحقيقي يسعى إلى الاستقلال الفكري، لا بمعنى الانفصال عن الواقع، بل بمعنى الانحياز إلى القيم الإنسانية الكبرى مثل الحرية والعدالة والكرامة وحق المجتمع في المعرفة. هذا الانحياز يجعله في نظر السلطة عنصراً مقلقاً، لأن الكلمة الحرة قادرة على خلخلة اليقين المصنوع وكشف التناقضات البنيوية في الخطاب الرسمي.

في المقابل، يظهر نموذج آخر للمثقف اختار التماهي مع السلطة، إما بدافع الخوف أو الانتهازية أو الرغبة في المكاسب. هذا المثقف لا ينتج معرفة نقدية، بل يساهم في تبرير السياسات القائمة وتجميل صورتها، فيتحول من ضمير للمجتمع إلى أداة من أدوات الهيمنة الناعمة.

السلطة لا تواجه المثقف الحر بطريقة واحدة، بل تعتمد أساليب متعددة تبدأ بالـ ق.مع المباشر عندما تشعر بأن خطاب المثقف يهدد مصالحها. الرقابة والمنع والاعتقال والنفي وأحياناً التصفية الجسدية ليست سوى تعبير عن خوف السلطة من الكلمة لا عن قوتها. وحين يتعذر الـ ق.مع الصريح، تلجأ السلطة إلى تشويه صورة المثقف واتهامه بالخيانة أو العمالة، في محاولة لنزع شرعيته الأخلاقية.

وفي حالات أخرى، تستخدم السلطة أسلوباً أكثر دهاءً يتمثل في الاحتواء، مقابل تخليه عن نقدها الجذري. التاريخ الإنساني يقدم نماذج عديدة لهذا الصراع؛ فقد دفع سقراط حياته ثمناً لأسئلته، وسجن غرامشي لأنه آمن بأن الوعي أخطر من السلاح. إن المجتمعات التي تقمع مثقفيها تحكم على نفسها بالجمود والانغلاق، بينما المجتمعات التي تحترم دور المثقف هي القادرة على النقد الذاتي وبناء مستقبل أكثر وعياً وعدلاً.

#ملف_الهدف_الثقافي #زكريا_نمر #المثقف_والسلطة #حرية_الفكر #جنوب_السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.