توتا صلاح المبارك
وأَنتَ تُعِدُّ فطورَك، فكِّرْ بغيركَ [ لا تَنْسَ قُوتَ الحمامْ ]
وأَنتَ تخوضُ حـ.روبكَ، فكِّر بغيركَ [لا تَنْسَ مَنْ يطلبون السلامْ]
وأَنتَ تُسدِّدُ فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ [مَنْ يرضَعُون الغمامْ]
وأَنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّرْ بغيرك [ ثَمَّةَ مَنْ لم يجد حيِّزاً للمنام] “محمود درويش”
ذاتَ أحد نهارات “الخرطوم” فاجرة الحرارة، ضنينة النسيم، لم يَتَحَرَج طفلٌ في العاشرة من سني عمره أنْ يقارع لهيبها لينهمك في تنظيف حديقة أحد المنازل، وجمع أوراق الشجر منها بوجهٍ كانت تسيل مِنه جدّية وصرامة تتقاطعان مع سني عمره اليافع، كانت تكسو ملامحه خشونةٌ تُحَدِثُ عن جَوْر الحياة وظُلْمِها. أما ملابسه فتُعْلِن وبلا مواربة فقره وحرمانه، كانت متسخة، بل تكاد تكون مهترئة، فـ الـ “تي شيرت” الذي كان يرتديه بَهُتَتْ حروف الـ “اسلوقان” التي كانت تتوسطه واختلطت مع ما خطته بُقَع اتساخ وتَلَطُخ. أتَتْ “هي” من داخل المنزل بشعرٍ “كيرلي”، وملامحَ رقيقة لا تَنْفَك تتدفقُ دهشةً منذ أنْ أتوا بها لهذا “البلد الطيب” وقالوا “هذا منبعك”!! و”تلك هي جذورك”!!، ملابسها كانت تَشي بأناقة فائقة مع اتساقٍ في الألوان فترسم لوحةً لا تتناغم مع ذاك الذي “يَلُم أوراق الشجر”!! كانت تماثله في العمر، وتتقاطع معه في أشياء أُخَر!! نَظَرَت إليه باندهاش، وتساءلَتْ: Who is that boy? “مَنْ هو ؟”
أين أهله ؟
ولماذا هو يلعب هنا؟
عندما أخبروها أنّه لا يلعب وإنّ هذا عمله، فَزَعَتْ وألْقَتْ بسؤالها الذي تَفَجّب احتجاجاً صارخاً من دواخلها البريئة: لماذا يعمل ؟ إنه طفل!!!! أين أبويه ؟
أسرعتْ لتسلم عليه، وتسأله عن عمره بلغتها المُفَكَكة، المتعثرة: “أنتَ كم عمرك ؟” فأجابها بلا تفكير وبلا مبالاة: “إمكن عشرة أو عشرين، ما عارف” وأغْلَقَتْ عينيها لتغرق في خِضَمٍ آخر وهي تحاول تفكيك إشكال لا يُفَرِق ما ” بين العشرة والعشرين”!!
كان نسق أسئلتها يُحدِث عن طفلٍ آتٍ من “أرضٍ” أخرى، الأطفال فيه يُكَرَمون بحق القانون!!
أجابها “جَدُها” بحُبٍ وصبر: أنّ عمله يجنبه الجوع، ويحصنه من رهق التَسَوُل والسؤال، ويحميه من بعض تَعَرُجات الحياة ولُجَجها الوعرة، فهو ابن الفقر والظلم، الشارع هو بيته، وهويته السماء هي سقفه، و”رفقة الفقر” هم أسرته!!!!
صمتتْ بحزن ثقيل وهي تَجْهَد أن تستوعب أولَ درسٍ للحياة في نُسْخَتِها المُرّة، القاسية. إنها ابنة التغريبة السودانية، إنها ابنة الشتات، ابنة المهاجر السودان عندها هو الشمس، هو الصحراء، هو الغابة، هو الأسرة الممتدة، هو الأهل هو الحنين! الوطن هو ما رُسِم لها بِحُبٍ وانحياز، فَلَم يحدثوها أن الأطفال إنْ لم يعملوا جاعوا!!!
إخْتَفَتْ بسرعة لِتَأتي مرة أخرى ويديها تقبضان على حلوى ولعبة! ناولته ما ظَنّتْ أنه يداوي عاهة الظلم والفقر والحرمان! نظر إليها بصمتٍ وامتنان! التَهَمَ الحلوى سريعاً، ورمى باللعبة في “كيس القمامة”!!!! فهو لا يلعب!!! إنه لا يعْرَف اللعب. اللعب ترفٌ عند “ملح الأرض” عند “الشماشة”، أبناء “الشارع”، أبناء “الشمس”، منتوج خيباتنا الكبرى، ومردود إخفاقاتنا المتراكمة، وحصاد أفْشالنا البائنة
أين هم في هذه الحـ.رب العبوس؟ بل مَنْ يمسك بخاصرة الأشياء؟، مَنْ ينثرها؟، مَنْ يقبُضها لِيُبْقِي أحدنا في هامشها، وأقسى منعرجاتها، ويعلو بالآخر إلى أيسرِها؟
مَنْ يَكْبح لجام الوطن فيسمو بالبعض إلى وَهَجها، يَنْزَلِق بآخرين إلى دركها السحيق حيث تصبح أُسُسها وأساسياتها ترفاً، وحُلماً عَصِيّاً، مُشْتَهى، لا تقود إليه أجنحة خيالٍ جامح!!!
ذات صبحٍ رائق من صباحات مدينتنا الوقور، إجتررنا أنا و”ابنتي” مذاق تلك “الحدوثة” المالحة!!! سال دمعنا الهطول وهي تسألني: “أين هو الآن في هذه الحـ.رب القاسية ؟” “شَحُبَتْ روحي” وأنا أجيبها: ” لَعَلِي أعرف، قد يكون دمه سَقي أرضنا العطشى! ولعل جسده قد أطْعَمَها سَماداً”
…..أَلَمْ أَقُلْ لكِ إنه “ملح الأرض”!!!
#ملف_المرأة_والمجتمع #الشتات #أطفال_السودان #تغريبة #ملح_الأرض

Leave a Reply