تقرير: مجدي علي
أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الجمعة 12 ديسمبر 2025، عن خفض حصص الغذاء فيالسودان اعتبارًا من يناير المقبل، بنسبة تصل إلى 70% في المناطق الأكثر تضررًا من المجاعة و50% في المناطقالمعرضة للخطر، وذلك بسبب نقص التمويل، وسط تحذيرات من وصول التمويل إلى مرحلة حرجة للغاية بحلولأبريل المقبل. ويأتي هذا الإعلان في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يؤكدالخبراء أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالغذاء وحده، بل امتدت لتشمل جميع جوانب الحياة اليومية للمواطنينوالنازحين على حد سواء.
الحرب التي اندلعت في السودان منذ العام 2023 أسفرت عن دمار واسع للبنية التحتية الزراعية والصحية، وعطلتسلاسل الإمداد الغذائية في مختلف المناطق، مما أدى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي. وقد وصف الأمين العامللأمم المتحدة هذا النزاع بأنه “أحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم“، حيث تترك الحرب آثارها العميقة على حياةالملايين من المدنيين، وتضاعف عدد المتضررين الذين يحتاجون إلى مساعدات عاجلة.
فقد تسبب النزاع مؤخرًا في نزوح أكثر من 100 ألف شخص من مدينة الفاشر منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليهاأواخر أكتوبر 2025، ووصل نحو 15 ألفًا منهم إلى بلدة طويلة المجاورة، فيما يقيم حاليًا في طويلة نحو 650 ألفنازح فرّوا من مخيم زمزم خلال جولات سابقة من القتال. يعيش هؤلاء النازحون في ظروف مأساوية، بين ملاجئ هشةمصنوعة من القش، ومخيمات مكتظة، دون الحصول على الدعم الكافي للخدمات الصحية أو المساعدات الغذائيةالأساسية.
روس سميث، مدير قسم التأهب والاستجابة للطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، أكد أن “العائلات تعاني منالمجاعة منذ أشهر، وواجهت فظائع جماعية، وتعيش الآن في أماكن مكتظة، ولا تتلقى سوى دعم محدود للغاية“،مشيرًا إلى نقص الخدمات الصحية الأساسية وغياب الأمن الغذائي الكافي. وأضاف أن نقص التمويل يجعل الاستجابةالإنسانية “مرحلة حرجة للغاية” بحلول أبريل 2026، محذرًا من أن استمرار هذه الظروف سيؤدي إلى تفاقمالمجاعة بشكل كارثي، خصوصًا في المناطق المحاصرة والمحتاجة بشدة مثل دارفور والفاشر وطويلة.
ولا يقتصر تأثير الحرب على تدمير حياة المدنيين، بل يمتد ليشمل تحديات لوجستية ضخمة تواجه وكالات الإغاثة،بما في ذلك صعوبة الحصول على تصاريح للتنقل والوصول إلى المناطق المحاصرة، إضافة إلى المخاطر الأمنية التيتعترض الشاحنات والقوافل الإنسانية. في بعض الحالات، اضطرت فرق برنامج الأغذية العالمي إلى تعليق توزيعالغذاء نتيجة تصاعد العنف أو الحصار، ما جعل آلاف الأسر في مواجهة المجاعة دون أي بدائل آمنة.
يحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى نحو 700 مليون دولار لمواصلة تقديم مساعداته خلال الأشهر الستة المقبلة،لتغطية مختلف أنحاء السودان، في وقت تتزايد فيه أعداد الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتشير التقديرات إلى أن نحو 21.2 مليون شخص، أي ما يعادل 45% من السكان، يعانون مستويات عالية من الجوع،وهو ما يجعل السودان واحدًا من أكبر بؤر الجوع في العالم. كما أن قرب نفاد المخزونات الغذائية واستمرار النزاعيزيدان الضغط على الاستجابة الإنسانية، ويجعلان أي حلول مؤقتة غير كافية إلا في حال تحقق الاستقرار والسلام.
ويضاف إلى ذلك السياق الإقليمي والدولي، حيث تعاني العديد من المناطق الأخرى مثل غزة وسوريا من نقصالتمويل والمساعدات، ما يضطر وكالات الإغاثة إلى توزيع الموارد المحدودة بين أزمات متعددة، بينما حجمالاحتياجات يتصاعد بشكل متسارع. وتشير التقارير الدولية إلى أن التمويل المتاح للعام المقبل لا يغطي سوى جزءمن الاحتياجات الفعلية، مما يجعل التخفيضات في الحصص الغذائية في السودان أمرًا واقعيًا، وليس خيارًا، إذ أن أيزيادة في الدعم المالي ستظل محدودة ما لم تتوقف الحرب وتستقر الأوضاع الأمنية.
الحرب في السودان ليست مجرد عامل إضافي للأزمة الإنسانية، بل هي السبب الرئيسي وراء تفاقم المجاعة وزيادةأعداد المحتاجين للمساعدات. فهذه الحرب العبثية دمرت الزراعة والبنية التحتية، وسببت نزوح ملايين الأشخاص،وعطلت سلاسل الإمداد الغذائي، مما جعل السكان يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الخارجية. كما أناستمرار النزاع يضاعف صعوبات الوصول إلى المناطق الأكثر احتياجًا، ويجعل أي تدخل إغاثي عرضة للخطر، سواءلفرق العمل أو المواد الغذائية نفسها.
إن استمرار النزاع العسكري في السودان يزيد من حجم الكارثة الإنسانية يومًا بعد يوم، ويترك أثره العميق على حياةالملايين من المدنيين. الأزمة اليوم ليست مجرد أزمة غذاء، بل انعكاس مباشر لحرب مستمرة، تتطلب تحركًا دوليًاعاجلًا لإيصال المساعدات الغذائية والإنسانية للمتضررين، مع العمل على تحقيق السلام والاستقرار لضمان أنتتحول الحلول المؤقتة إلى حلول دائمة قادرة على إنقاذ حياة المدنيين الأبرياء.

Leave a Reply