التراكم النضالي لانتفاضة ديسمبر المجيدة.

صحيفة الهدف

أحمد التجاني بابكرالمحامي والمستشار القانوني

بالرغم من أن انتفاضة مارس أبريل 1985، قد كانت حدثًا جوهريًا فى مسيرة النضال الوطني السوداني، إلا أن حكومةفترتها الانتقالية بشقيها، قد عجزت عن تحقيق أهم مطلب من مطالب تلك الانتفاضة، ألا وهو شعار تصفية آثار مايو،مما أدى إلى عودة الجبهة الإسلامية القومية حليف نظام نميري حتى سقوطه إلى المشهد السياسي مجددًا من خلالما حصدته من دوائر الخريجين، التي تكاد تكون قد صممت خصيصًا لها، وما تبع ذلك  من مشاركتها فى مايو 1988 في حكومة الديمقراطية الثالثة ضمن ما سُمي بحكومة الوفاق الوطني،التي أعلن  الراحل المرحوم الأستاذ بدر الدينمدثر، واصفًا  لها  بقوله ( بأن هذا ليس وفاقًا وطنيًا، بل هو ردة على الديمقراطية، وسيناضل حزبنا وشعبنا ضدهابنفس عنفوان نضاله ضد النظام المايوي)، ومن ثم تخطيطها ( الجبهة الإسلامية القومية )  وتنفيذها لانقلاب 30 يونيو 1989 المشؤوم، الذي أسقطته انتفاضة ديسمبر المجيدة، التي كانت وليدة نضال تراكمي مستمر بدأ من قبلحدوث الانقلاب المشؤوم من خلال المطالبة بتصفية آثار مايو، التي من أهمها ما ترتب على سيطرة الجبهة الإسلاميةالقومية على مفاصل الاقتصاد السوداني، وظهور الرأسمالية الطفيلية على حساب الرأسمالية الوطنية، ولعل مانشرته مجلة الدستور من خبر مفاده بأن الجبهة الإسلامية القومية تخطط لانقلاب عسكري بقيادة العقيد عمر حسنأحمد البشير، يمثل أكبر دليل على أن النضال ضد انقلاب الإنقاذ، قد بدأ قبل وقوعه، لتتواصل مسيرة النضال بعدوقوع الانقلاب دون انقطاع وبوتائر متعرجة ( صعودًا وهبوطًا ) ، تخللتها محطات إيجابية أساسية منها على سبيلالمثال لا الحصر حركة الخلاص الوطني في 1990، التي قادها مجموعة من الضباط الشرفاء بالقوات المسلحة،انطلاقًا من إيمانهم بميثاق الدفاع عن الديمقراطية، الذي وقعت عليه كل القوى السياسية ما عدا الجبهة الإسلاميةالقومية والحركة الشعبية، بميدان المدرسة الأهلية بأمدرمان، حيث جاءت هذه الحركة من جهة شخوصها القائمينبها، ومن جهة برنامجها متسقة مع الميثاق المذكور، فمن جهة أشخاصها فهم ذات الضباط، الذين فرضوا على سوارالذهب الانحياز للانتفاضة ومطالب الثوار، وهم ذاتهم من تقدموا بمذكرة للمجلس العسكري متضمنة أسماء أعضاءالجبهة الإسلامية القومية في صفوف القوات المسلحة مطالبين بتصفية القوات المسلحة منهم، مما أدى إلى فصلأولئك الضباط الشرفاء من الخدمة، لتصبح  قضية فصلهم، قضية رأي عام تبنتها صحيفة الهدف آنذاك، أما من جهةبرنامجها فقد جاء برنامجها قاطعًا في دلالته، الحفاظ على الديمقراطية، حيث أنها طرحت فترة انتقالية تتولى أمرهاالقوى المدنية السياسية والنقابية والمهنية وليس للقوات المسلحة فيها سوى وزارة الدفاع، وقد تأكدت صحةانحيازها لخيار الديمقراطية بما ذكره عمر البشير من قول :- (( ديل دايرين يرجعونا للأحزاب )) .

عقب فشل حركة الخلاص الوطني استمر نضال القوى السياسية، وبغض النظر عن التقديرات والمخرجات، فقدانعقد مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية، وتلاه مؤتمر القاهرة، وفي حوالي 1997 دخلت القوى السياسية في مقارعةمباشرة للنظام، من خلال خوضها لانتخابات نقابة المحامين بتحالف ضم القوى السياسية المعارضة تحت اسم ( التحالف الوطني لاسترداد الديمقراطية ) وما تبع تلك الانتخابات من تزوير تم إثباته، حيث تم ضبط المحامي الكوز ( عوض ابو دقن ) متلبسًا بالتزوير، الأمر الذي ترتب عليه إعادة الانتخابات، وبالرغم من تزوير نتيجة الانتخابات فيالمرة الثانية أيضًا، من خلال استبدال الصناديق عند ترحيلها من مراكز الاقتراع إلى مركز الفرز في وقت متأخر منالليل،  مستغلين حظر التجوال الذي كان ساريًا آنذاك، إلا أن تلك الانتخابات قد كانت لها أهميتها القصوى في ذلكالوقت لكونها قد مثلت مواجهة مباشرة في ظل سطوة وجبروت النظام.

بقدرما ما مثلت المحطات المار ذكرها صعودًا لخط منحنى بيان النضال الوطني، فإن هناك محطات أخرى أدت إلىهبوط ذلك المنحنى إلى أدنى درجاته، تمثلت في اتفاقية نيفاشا واتفاقية القاهرة اللاحقة عليها، وما تبعهما من آثاروالمتمثلة فيما سمي بحوار الوثبة، وما ترتب عليه من مصالحة العديد من القوى السياسية للنظام، مما أثر سلبًا علىرفع وتيرة النضال ضد النظام.

وبالرغم من انخفاض زخم القوى السياسية المعارضة لنظام الإنقاذ كنتيجة لاتفاقيتى نيفاشا والقاهرة وحوار الوثبة،فقد ظل حزب البعث العربي الاشتراكي  متمسكًا بموقفه المبدئي والمتمثل في ضرورة إسقاط النظام، وبالتالي عدممصالحته أو حتى محاورته، لذا استمر في فعله النضالي المعارض إلى أن تكلل ذلك الجهد، بتكوين تحالف قوىالإجماع الوطني مع آخرين في سبتمبر 2009 ، حيث ظل هذا التحالف يحمل لواء النضال ضد دكتاورية الإنقاذبالتعبئة من أجل تهيئة الشروط الذاتية والموضوعية للهبة الشعبية في سبيل الإضراب السياسي والعصيان المدني،وقد تكلل ذلك بهبة سبتمبر 2013 ، التي جابهتها سلطة الإنقاذ بأشد وأعنف أشكال العنف والبطش والاستبداد،  مماأدى إلى وأدها في مهدها .       

وفي عام 2014 تشكل أو تكون تحالف قوى نداء السودان، الذي وإن كان تحالفًا سياسيًا معارضًا، إلا أنه يعني تعددمراكز القوى المعارضة، لما يترتب عليه من تشتيت لجهود المعارضة.

استمر حراك العمل المعارض في نشاطة وتعبئته للشارع وقد أخذ ذلك عدة مظاهر أهمها ما ابتدره الرفاق البعثيينمن حوار مباشر مع شعبنا من خلال المخاطبات المباشرة في مواقف المواصلات والجامعات والأماكن العامة الأخرى،ليسهم هذا الوضع مع عوامل ومستجدات أخرى أهمها تفاقم الضائقة المعيشية، وانعدام السيولة النقدية للدرجة،التي عجزت معها البنوك والمصارف عن الوفاء للمودعين بما يطلبوه من سحوبات نقدية من أموالهم المودعةبالبنوك، إلى تفجر براكين الغضب الشعبي في ديسمبر 2018 ، الذي جاء مختلفًا عما سبقه من تعبيرات وهباتشعبية، لكونه قد بدأ هذه المرة من الأقاليم خلافًا للمعتاد، وقد كان لحرق دار المؤتمر الوطني بعطبرة الأثر الفاعلفي كسر حاجز الخوف، لتنشر الانتفاضة الشعبية  وتتمدد لتشمل خلافًا للعاصمة  كافة ربوع السودان .

تجاوبًا مع الحراك الشعبي سالف الذكر تم تشكيل تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير في يناير 2019 من تجمعالمهنيين والجبهة الثورية وتحالف قوى الإجماع الوطني والتجمع الاتحادي المعارض ونداء السودان، وذلك من أجلقيادة الانتفاضة الشعبية وتوجيهها نحو مراميها ،  حيث ظل هذا التحالف  يقود الانتفاضة الشعبية، وقد تكلل ذلكبسقوط البشير في 2019/4/11 ، ومن بعده ابنعوف، الذي لم يستغرق إسقاطه سوى 24 ساعة،  لتستمر الاحتجاجاتبذات العنفوان في وجه المجلس العسكري، الذي سيطر على مقاليد الامور بعد سقوط البشير .

لقد جاء سقوط البشير كنتيجة حتمية للضغط الشعبي وانتفاضته العارمة، حيث تمكنت حشود المتظاهرين في2019/4/6 من الوصول إلى القيادة العامة، ومن ثم تم اتخاذ قرار فوري بالاعتصام أمام بوابات القيادة العامة،لتتشكل أروع لوحة في تاريخ النضال الوطني السوداني، بتنظيم اعتصام غير مسبوق من جهة التنظيم والتكافلوالإصرار على بلوغ الهدف، مما أسهم في نفض الغبار عن مكنونات النفس السودانية لتتفجر القيم النبيلة شلالاتمن العطاء والمحبة والإيثار، لتسود مظاهر  الإخاء والتكافل، مما أسهم في خلق إلفة بين الثوار ربطتهم ببعضهمالبعض .

لقد ظلت قوى الردة تتربص بالاعتصام منذ نشأته وتكوينه، حيث تعرض الاعتصام لعدة اعتداءات من بينها ماتم فى8 رمضان من محاولات اعتداء على المعتصمين، التي قاومها المعتصمون وصمدوا في الدفاع عن اعتصامهموحراسته، ليستمر ذلك الصمود البطولي حتى 29 رمضان الموافق 2019/6/3 ، لـتأتي الطامة الكبرى بغدرالمعتصمين وهم نيام وقتلهم والتنكيل بهم ، ليسجل التاريخ أبشع كارثة إنسانية في التاريخ الحديث، التي تمارتكابها من قبل كافة القوات النظامية دون استثناء، والشواهد على ذلك ظهور البرهان بصفته رئيس للمجلسالعسكري الانتقالي، عقب فض الاعتصام مباشرة وإعلانه لوقف التفاوض مع الحرية والتغيير وإفصاحه عن نيته فيتكوين حكومة تكنوقراط، وما تلى ذلك من اعتراف صريح للكباشي بفض الاعتصام بمقولته البائسة ( حدس ما حدس) .

بالرغم من بشاعة فض الاعتصام وما تم فيه من قتل وتنكيل، إلا أن عزيمة الثوار لم تفتر ولم تنكسر شوكتهم، بل أنما لحق برفاقهم من قتل وتنكيل وانتهاكات، قد شكل مهمازًا لهم لإعادة تنظيم صفوفهم، ليخرجوا في مسيراتعارمة في يوم 2019/6/30 ، أقل ما توصف به أنها مسيرات مليونية هادرة، زلزلت عرش طغاة القوات النظامية،ليتراجعوا عن قرارهم بوقف التفاوض مع الحرية والتغيير، لتستأنف مفاضات متعثرة، أسفرت عن توقيع اتفاقسياسي بين الطرفين بتاريخ 2019/7/5 ، الذي شكل نواة للوثيقة الدستورية 2019 التي تم توقيعها بتاريخ 2019/8/17 ، التي أسست للشراكة بين المكون العسكري والحرية والتغيير .

وبالرغم من أن خيار الشراكة مع العسكر لم يكن خيارًا محبذًا، إلا أن طول فترة الحراك الثوري، الذي امتد من ديسمبر2018 حتى يوليو 2019 ، وما تخلله من أحداث بشعة، واستشهاد أعداد كبيرة من الثوار ، جعل الجماهير الثائرةتستقبل خبر توقيع الاتفاق السياسي في 2019/7/5 بمسيرات فرح عارمة انتهت باحتفالات تلقائية في الساحةالخضراء، الأمر الذي شكل تأييدًا شعبيًا لذلك الاتفاق السياسي .

بتاريخ 2019/8/20 تم اعتماد الوثيقة الدستورية، ذلك بموجب مرسوم دستوري صادر من المجلس العسكريالانتقالي، مما ترتب عليه دخول الوثيقة الدستورية إلى حيز التنفيذ، التي احتوت على ديباجة وعدد 16 فصل، تناولتالموضوعات الدستورية ذات الصلة، التي من أهمها أنها قد حددت مدة الفترة الانتقالية بتسعة وثلاثون شهرًا، يرأسمجلس السيادة في الواحد وعشرين شهرًا الأولى منها من يختارة المكون العسكري، ويرأس الثمانية عشر شهرًاالمتبقية، التي تبدأ في 2021/5/17 عضو مدني يختارة الأعضاء الخمسة المدنيين، وذلك من أجل تنفيذ مهام محددة،تم إيرادها كتعداد حصري لعدد 16 مهمة، كما أنها ( أي الوثيقة الدستورية ) حددت أجهزة الحكم الانتقالي بثلاثةأجهزة هي المجلس السيادي، حيث تم النص على تشكيل المجلس السيادي من عدد 11 عضوًا، خمسة مدنيينتختارهم قوى الحرية والتغيير ، وخمسة عسكريين يختارهم المكون العسكري، ويكون العضو الحادى عشر مدنيًايتم اختياره بالتوافق بين المكون العسكري والحرية والتغيير، ومجلس وزراء يتكون من رئيس وزراء تختاره قوىالحرية والتغيير وعدد من الوزراء لا يزيد عددهم عن العشرين وزيرًا، يعينهم رئيس الوزراء من قائمة مرشحي الحريةوالتغيير، ويعتمدهم المجلس السيادي، عدا وزيري الدفاع والداخلية، يعينهما المكون العسكري في المجلسالسيادي، ومجلس تشريعي لا تتجاوز عضويته 300 عضوًا، يتم تكوينه بنسبة 67% ممن تختارهم الحرية والتغيير ،و33% للقوى الأخرى غير الموقعة على إعلان الحرية والتغيير ويتم تسميتهم بالتشاور بين قوى الحرية والتغييروالمكون العسكري، على أن يتم  تشكيل المجلس التشريعي ويباشر مهامه في فترة لا تتجاوز 90 يومًا من تاريختوقيع الوثيقة الدستورية، أي من تاريخ 2019/8/17 .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.